(وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبيّة فـ (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[42]
بعد هذه المقدمة القصيرة، فلنرَ الآن كيف اقتبست فاطمة الزهراء عليها السلام العديد من الآيات المباركات من ذلك فذكرت أول شيء(وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبيّة فاتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون)، فإن مقتضى الاخلاص لله بالربوبية امران: أن تكون كيفية العمل بما يؤدى فيه حق الله تعالى، فالتقوى ينبغي أن تكون حق تقاته، والجهاد ينبغي أن يكون حق جهاده، وهكذا والآخر أن يستمر المؤمن على ذلك فلا يكفي أن يقوم بهذا الأمر لمرة واحدة أو في شهر واحد وإنما أن يستمر عليه حتى يضمن أن لا يأتيه الموت إلا وهو مسلم.
الاقتباس الثاني:
(وأطيعُوا اللهَ فيما أمَرَكُمْ بِهِ وَنَهاكُمْ عَنْهُ، فَإنَّه (إنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ العُلِماءُ)[43]
ويعلم القارئ الكريم أنه تم تقديم لفظ الجلالة (الله) مع أن اللفظ في موضع المفعول به وهو مؤخر لاقتضاء الحصر والقصر ذلك، فلو قالت الآية المباركة إنما يخشى العلماءُ الله لما أفاد نفس المعنى المطلوب فيه القصر، فغاية ما تثبت هذه الجملة أن العلماء يخشون الله، لكن هل يخشاه غيرهم أو لا فإن الجملة هذه لا تتعرض له، ولا تؤدي نفس المعنى، مع أن المطلوب في الآية المباركة هو القول أن خشية الله فرع عن العلم به فمن لا يكون عالما بالله تعالى لا يخشاه ولا يخافه، وبمقدار ما يعلم به يخشى ويخاف ويتقي.
وفيما يرتبط بالخطبة فإن الصديقة الطاهرة فاطمة قد طوت مقدمة هي أنكم بتبليغ النبي الرسالة وجهاد الوصي في سبيلها قد أصبحتم عالمين بربكم عارفين بواجباته عليكم وبنواهيه لكم، فيقتضي هذا أن تستجيبوا بالعمل وأن تخشوه حق الخشية لأنه إنما يخشى اللهَ العلماءُ به والعارفون بعظمته والواعون بواجبهم تجاهه.
الاقتباس الثالث:
(اعْلَمُوا أنِّي فاطِمَةُ، وَأبي مُحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَقُولُ عَوْداً وَبَدْءاً، وَلا أقُولُ ما أقُولُ غَلَطاً، وَلا أفْعَلُ ما أفْعَلُ شَطَطاً (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيم))[44]
في تعريفها صلوات الله عليها لنفسها، وتوجيهها لفعلها وخطبتها ومحتوى تلك الخطبة، فهي تخبرهم أنها فاطمة بنت النبي، حتى يستذكر المهاجرون والأنصار أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله في حقها، والفرض أنهم لا يزالون يتذكرونها، وحتى لا يتوهم بعض الحاضرين آنئذ أنها لا ينبغي أن تخرج أو تخطب، بل حتى لا يتخرص بعض أتباع مدرسة الخلفاء في المستقبل في تخطئتها وهي التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها فقد استبقت كل هذا وقالت: إنها تقول ذلك عودا وبدءا، وأن ما تقوم به من الاحتجاج عليهم ليس عملا خاطئا وأن كلامها ليس غلطا.
في هذه الحالة أكملت كلامها بآية مباركة وقد جاءت شديدة المناسبة حتى يتصور السامع لأول مرة أنها جزء من الكلام (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيم).
الاقتباس الرابع:
هامش
42 ) سورة آل عمران: آية 102
43 ) سورة فاطر: آية 28
44 ) سورة التوبة: آية 128