تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إني فاطمة وأبي محمد — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
قالت سيدتنا الزهراء عليها السلام بعد ما وصفت القرآن الكريم كِتابُ اللهِ النّاطِقُ، والقُرْآنُ الصّادِقُ، وَالنُّورُ السّاطِعُ، وَالضِّياءُ اللاّمِعُ تقول بينة بصائره متجلية ظواهره، هذه الظواهر والبصائر واضحة للناس يستطيع الإنسان أن يصل إليها. بلاغة الزهراء عليها السلام في طريقة الاقتباس من القرآن الكريم: قسم آخر من أحاديث السيدة الزهراء عليها السلام حول القرآن في هذه الخطبة ما يرتبط بالاقتباس القرآني وهذا من آيات البلاغة العجيبة في لسان هذه المرأة الجليلة صلوات الله وسلامه عليها، الاقتباس في اللغة العربية من فنون الشعر والنثر وآيات البلاغة، أن يكون الخطيب أو الشاعر قادراً على اقتباس كلام لغيره وتضمينه في كلامٍ، هذا يسمى اقتباسا. والكلمة جاءت من القبس في قضية نبينا موسى على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام قال(لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)[36]، عندما خرج مع زوجته بعد أن وفى لنبي الله شعيب بما اتفقا عليه من الأجرة(قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ)[37]، نبي الله موسى عليه السلام مع أن الاتفاق كان على ثمان سنوات من العمل لكن أتمها عشر سنوات. وإذا كان لنا أن نأخذ من درس تربوي من هذه الآية، فإننا نقول بأن المطلوب من الإنسان أن يتم للطرف الأخر ما توافقا عليه، على خلاف ما قد يوجد عند البعض، حيث يكون لديه سائق يعمل عنده بألف ريال مثلا، فيحاسبه حين الراتب على النقير والقطمير. لأنك فعلت كذا ينقص من راتبك كذا، ولأنك تركت كذا يخصم عليك كذا. غير أن نبي الله موسى يجعل تماماً ووفاءً فوق الاتفاق عشرين في المائة تقريباً أصل الاتفاق ثمان سنوات عمل مقابل أن أتزوج ابنتك هذا هو الوفاء، ويعلمنا القرآن من خلال ذلك أنه عندما تريد أن تعطي فأوف الكيل، ولا تكن من المطففين (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)[38]. نبي الله موسى خرج في ليلة برد شاتية ومعه زوجته وأغنامه فلاحت له نار من مكان بعيد في الصحراء قال (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) فذهب موسى عليه السلام ليقتبس ناراً أي يأخذ قبساً، ومن هنا أُخذ هذا المصطلح في اللغة العربية. فحينما يتكلم إنسان ويستشهد بكلام شاعر أفضل منه، يقال اقتبس منه وهكذا متحدث يتحدث فيقتبس من كلام الله عز وجل أو من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ليقوي المطلب. ثلاثة عشر اقتباسا بديعاً للزهراء عليها السلام من القرآن الكريم: قامت الزهراء عليها السلام بالاقتباس من آيات القرآن الكريم في عملٍ بلاغيٍ لا نظير له، لأن الاقتباس درجات؛ أعلاها ما إذا كان الكلام المأخوذ من القرآن الكريم يجري مع كلام المتكلم، بحيث أنك للوهلة الأولى تظنه من عبارة المتكلم. نقول للوهلة الأولى وإلا فإن بلاغة القرآن، وإعجاز كلماته وتراكيبه لا يصل إليها كائن من البشر بمن فيهم الأنبياء والأوصياء، بل ما لديهم من بلاغة هو ظلال لذلك الأصل. وفرع من تلك الشجرة. سوف نلاحظ أن مساحة الاقتباس التي مرت عليها سيدة النساء واسعة حيث تمددت اقتباساتها على اثنتي عشرة سورة، فقد اقتبست من آل عمران ومن فاطر والتوبة والمائدة والكهف وابراهيم والشعراء وسبأ وهود والهمزة، واختصت التوبة بأكثر من اقتباس ولا غرابة فإن سورة التوبة من اسمائها الفاضحة.
هامش
36 ) سورة طه: آية 10 37 ) سورة القصص: آية 27 38 ) سورة المطففين: آية 2-3