مزاود القوم ما قد طرحوه في الحرث يتخفّفون منه للنّجاء . فقال المسلمون حين رجع بهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : أنطمع أن تكون غزوة ، قال « نعم » . وقد كان أبو سفيان قال وهو يتجهّز خارجا من مكة إلى المدينة أبياتا من شعر يحرّض فيها قريشا فقال :
كرّوا على يثرب وجمعهم
فإنّ ما جمّعوا لكم نفل
إن يك يوم القليب [ 1 ] كان لهم
فإن ما بعده لكم دول
آليت لا أقرب النساء ولا
يمسّ رأسي وجلدي الغسل
حتى تبيدوا قبائل الأوس وال
خزرج إن الفؤاد مشتعل
فأجابه كعب بن مالك :
يا لهف أمّ المسبّحين [ 2 ] على
جيش ابن حرب بالحرّة الفشل [ 3 ]
/ أتطرحون الرجال من سنم الظَّهر ترقّى في قنّة الجبل
جاؤوا بجمع لو قيس منزله
ما كان إلا كمعرس الدّئل [ 4 ]
عار من النصر والثراء ومن
نجدة أهل البطحاء والأسل
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال حدّثنا سليمان بن سعد عن الواقديّ :
أن غزوة السّويق كانت في ذي القعدة من سنة ثنتين من الهجرة .
اشتد قيس بن الخطيم على حسان وهم يشربون عند ابن مشكم فانتصر ابن مشكم لحسان :
حدّثني عمّي قال حدّثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدّثنا ابن سعد عن الواقديّ عن أبي الزّناد عن عبد اللَّه بن الحارث قال :
شرب حسّان بن ثابت يوما مع سلام بن مشكم ، وكان له نديما ، معهم كعب بن أسد وعبد اللَّه بن أبيّ وقيس بن الخطيم ؛ فأسرع الشراب فيهم وكانوا في موادعة وقد وضعت الحرب أوزارها بينهم . فقال قيس بن الخطيم لحسّان :
تعال أشاربك ؛ فتشاربا في إناء عظيم فأبقى حسّان من الإناء شيئا ؛ فقال له قيس : اشرب . فقال حسّان وعرف الشرّ في وجهه : أو خيرا من ذلك أجعل لك الغلبة . قال : لا ! إلَّا أن تشربه ؛ فأبى حسّان . وقال له سلام بن مشكم : يا أبا يزيد ، لا تكرهه على ما لا يشتهي ، إنما دعوته لإكرامه ولم تدعه لتستخفّ به وتسيء مجالسته . فقال له قيس :
أفتدعوني أنت على أن تسيء مجالستي ! فقال له سلام : ما في هذا سوء مجالسة ، وما حملت عليك إلَّا لأنك منّي وأني حليفك ، وليست / عليك غضاضة في هذا ، وهذا رجل من الخزرج قد أكرمته وأدخلته منزلي ؛ فيجب أن تكرم
هامش
[ 1 ] هو قليب بدر ( انظر الكلام عليه في غزوة بدر في هذا الكتاب ج 4 ص 170 من هذه الطبعة ) .
[ 2 ] كذا في الطبري وابن الأثير . وفي الأصول : « المسجيين » .
[ 3 ] الفشل : الضعيف الجبان .
[ 4 ] المعرس : الموضع الذي يعرس فيه ( ينزل ) . والدئل : دويبة كالثعلب ، وقيل : هي شبيهة بابن عرس . وفي الطبري ( ق 1 ص 1366 ) : « كمفحص الدئل » .