تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغاني — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
كنّا قوما تجارا ، وكانت الحرب بيننا وبين رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قد حصرتنا [ 1 ] حتى نهكت [ 2 ] أموالنا . فلما كانت الهدنة [ هدنة الحديبية ] [ 3 ] بيننا وبين رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، خرجت في نفر من قريش إلى الشأم ، وكان وجه متجرنا منه غزّة ، فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من الفرس [ 4 ] ، فأخرجهم منها وانتزع منهم صليبه الأعظم وكانوا قد استلبوه إيّاه . فلما بلغه ذلك منهم وبلغه أن صليبه قد استنقذ منهم ، وكانت حمص منزله ، خرج [ 5 ] منها يمشي على قدميه شكرا للَّه حين ردّ عليه ما ردّ ليصلَّي في بيت المقدس تبسط له البسط وتلقى عليها الريّاحين . فلما انتهى إلى / إيلياء فقضى فيها صلاته وكان معه بطارقته وأشراف الروم ، أصبح ذات غدوة مهموما يقلَّب طرفه إلى السماء . فقال له بطارقته : واللَّه لكأنّك أصبحت الغداة مهموما . فقال : أجل ! رأيت البارحة أن ملك الختان ظاهر . فقالوا : أيّها الملك ، ما نعلم أمّة تختتن إلا اليهود ، وهم في سلطانك وتحت يدك ، فابعث إلى كلّ من لك عليه سلطان في بلادك فمره فليضرب أعناق من تحت يدك منهم من يهود واسترح من هذا الهمّ . فو اللَّه إنهم لفي ذلك من رأيهم يدبّرونه [ 6 ] إذ أتاه رسول صاحب بصرى [ 7 ] برجل من العرب يقوده - وكانت الملوك تتهادى الأخبار بينهم - فقال : أيها الملك ، إن هذا رجل من العرب من أهل الشّاء والإبل يحدّث عن أمر حدث فاسأله . فلما انتهى به إلى هرقل رسول صاحب بصرى ، قال هرقل لمن جاء به : سله عن هذا الحديث الذي كان ببلده ؛ فسأله ، فقال : خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبيّ ، وقد اتّبعه ناس فصدّقوه وخالفه آخرون ، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة ، وتركتهم على ذلك . فلما أخبره الخبر قال : جرّدوه فإذا هو مختون ؛ فقال : هذا واللَّه النبيّ الذي رأيت لا ما تقولون ، أعطوه ثيابه وينطلق . ثم دعا صاحب شرطته فقال له : اقلب الشأم ظهرا لبطن حتى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل . فإنّا لبغزّة إذ هجم علينا صاحب شرطته فقال : أنتم من قوم الحجاز ؟ قلنا نعم . قال : انطلقوا إلى الملك ، فانطلقوا بنا . فلما انتهينا إليه قال : أنتم من رهط هذا الرجل الذي بالحجاز ؟ قلنا نعم . قال : فأيّكم أمسّ به رحما ؛ قال : قلت أنا - قال أبو سفيان : وأيم اللَّه ما رأيت رجلا أرى أنه أنكر من ذلك الأغلف [ 8 ] ( يعني هرقل ) - ثم قال : أدنه ، فأقعدني بين يديه وأقعد أصحابي خلفي ، وقال : إني سأسأله ، فإن كذب فردّوا عليه . / - قال : فو اللَّه لقد علمت أن لو كذبت ما ردّوا عليّ ، ولكنّي كنت امرأ سيّدا أتبرّم عن الكذب ؛ وعرفت أنّ أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوه عليّ ثم يحدّثوا به عني ، فلم أكذبه - قال : أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهركم يدّعي ما يدّعي . فجعلت أزهّد له شأنه وأصغّر له أموره ، وأقول له : أيها الملك ، ما يهمّك من شأنه ! إنّ أمره دون ما بلغك ؛ فجعل لا يلتفت إلى ذلك منّي . ثم قال : أنبئني فيما أسألك عنه من شأنه . قال : قلت : سل عمّا بدا لك . قال : كيف نسبه فيكم ؟ قلت : محض ، هو أوسطنا [ 9 ] نسبا . قال : أخبرني هل / كان أحد في أهل
هامش
[ 1 ] كذا في ح و « تجريد الأغاني » . وفي سائر الأصول : « حضرتنا » بالضاد المعجمة وهو تصحيف . [ 2 ] كذا في « تجريد الأغاني » . وفي الأصول : « تهتكت » . وهو تحريف . [ 3 ] زيادة عن « تجريد الأغاني » . [ 4 ] كذا في « تجريد الأغاني » . وفي الأصول : « من فارس » . [ 5 ] في الأصول : « فخرج » . [ 6 ] في ح و « تجريد الأغاني » : « يديرونه » . [ 7 ] بصرى : بلد من أعمال دمشق وهي قصبة كورة حوران . [ 8 ] الأغلف : الذي لم يختتن . [ 9 ] أي خيرنا وأفضلنا نسبا .