كان أبو ذؤيب فعل برجل يقال له عويم [ 1 ] بن مالك بن عويمر وكان رسوله إليها . فلما علم أبو ذؤيب بما فعل خالد ضرمها . فأرسلت تترضّاه ، فلم يفعل ، وقال فيها :
تريدين كيما تجمعيني وخالدا
وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
أخالد ما راعيت منّي [ 2 ] قرابة
فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي [ 3 ]
دعاك إليها مقلتاها وجيدها
فملت كما مال المحبّ على عمد
وكنت كرقراق السّراب إذا بدا
لقوم وقد بات المطيّ بهم يخدي [ 4 ]
فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدة
تكون وإياها بها مثلا بعدي
/ غنّاه ابن سريج خفيف رمل بالبنصر . الغيب : السرّ . والرقراق : الجاري . ويروى : « أحذو قصيدة » . فمن قال : « أحذو » بالذال المعجمة أراد أصنع ، ومن قال : « أحدو » أراد أغنّي .
وقال أبو ذؤيب في ذلك :
وما حمّل البختيّ عام غياره [ 5 ]
عليه الوسوق [ 6 ] برّها وشعيرها
أتى قرية كانت كثيرا طعامها
كرفغ [ 7 ] التراب كلّ شيء يميرها
- الرفغ من التراب : الكثير اللين - .
فقيل تحمّل فوق طوقك إنّها
مطبّعة [ 8 ] من يأتها لا يضيرها
بأعظم [ 9 ] مما كنت حمّلت خالدا
وبعض أمانات الرجال غرورها
ولو أنني حمّلته البزل ما مشت
به البزل حتى تتلئبّ صدورها
- تتلئب : تستقيم وتنتصب وتمتدّ وتتتابع [ 10 ] - :
خليلي الذي دلَّى [ 11 ] لغيّ خليلتي
جهارا فكلّ قد أصاب عرورها [ 12 ]
هامش
[ 1 ] كذا في أكثر الأصول . وفي ح : « عويمر » . وقد أورد ابن قتيبة هذه القصة في كتابه « طبقات الشعراء » ( ص 413 - 414 ) وذكر أن الرجل الذي خانه أبو ذؤيب في هذه المرأة هو ابن عم له يقال له مالك بن عويمر . وأوردها البغدادي في كتابه « خزانة الأدب » ( ج 2 ص 316 ، ج 3 ص 597 ، 648 ) في تفصيل كثير ، فذكر في موضع أنه يقال له مالك بن عويمر ، كما ذكره ابن قتيبة ، وفي موضع آخر أنه يقال له وهب بن جابر ، وذكر سبب تعلقه بها وجفائها له بعد . واستطرد في القصة حتى أتى على خبر مقتل خالد بن زهير .
[ 2 ] كذا في « شرح ديوانه » و « الشعر والشعراء » . وفي الأصول : « من ذي قرابة » .
[ 3 ] أراد : فتحفظني بالغيب أو في بعض ما تظهر من المودة والإخاء .
[ 4 ] كذا في ح وديوانه . وخدي البعير والفرس خديا وخديانا : أسرع وزج بقوائمه . وفي سائر الأصول : « يحدى » ( بالحاء المهملة ) وهو تصحيف .
[ 5 ] الغيار ( بالكسر ) : مصدر غارهم يغيرهم إذا ما رهم أي أتاهم بالميرة .
[ 6 ] الوسوق : جمع وسق ( بالفتح ) ، وهو حمل البعير ، وقيل : الحمل عامة .
[ 7 ] في جميع الأصول : « كرقع » ( بالقاف والعين المهملة ) . والتصويب عن شرح ديوانه .
[ 8 ] يريد أن هذه القرية مملوءة بالطعام ، فكنى عن ذلك بأنها مطبعة أي مختومة لأن الختم إنما يكون غالبا بعد الملء .
[ 9 ] في ديوانه : « بأثقل » .
[ 10 ] لعلها « وتتتايع » بالياء المثناة التحتية . يقال : تتتايع الجمل في مشيه إذا حرك ألواحه حتى يكاد ينفك .
[ 11 ] دلى فلان فلانا في الشرّ : أوقعه وصيره فيه .
[ 12 ] العرور : المعرة والعيب .