«ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أصْحابُ الجَحِيمِ»"
وقد علق المحمودي على كلامه بأنه يعتمد على الروايات التي ستأتي ويأتي النقاش في أسانيدها، وبالنسبة للآية المباركة وأنها نزلت في شأن أبي طالب وأن النبي قد نهي عن الاستغفار، فإن ذلك القول معتمد على (يقال) وهو مما لم يعلم له مستند فلا يُعبأ به!
2/ ثم نقل البلاذري حديثا بسند ينتهي إلى الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا طالب إلى كلمة الإخْلاصِ فِي مَرَضِهِ فَقالَ: إنِّي لأكْرَهُ أنْ تَقُولَ قُرَيْشٌ: إنِّي قُلْتُها جَزَعًا عِنْدَ المَوْتِ ورَدَدْتُها فِي صِحَّتِي. ودَعا بَنِي هاشِمٍ فَأمَرَهُمْ بِاتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونصرته والمنع عن ضيمه فنزلت فيه: «وهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ»[148] وجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتّى نَزَلَتْ: «ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ» الآيتان.
وعلق عليه المحمودي بضعفه من جهات تجعل الخبر في حد ذاته - ولو لم يكن له معارض- غير صالح للحجية؛ أولاها: أن سعيد بن المسيب (الراوي الأصلي للحديث) لم يدرك القضية، فلا بد إذن أن يكون رواها عمن أدركها، ولم يذكره في الخبر، فيحتمل أنه كان ممن يشاقق الرسول وذويه صلوات الله عليهم!
وثانيها: أن سعيد بن المسيب عُدَّ من المنحرفين عن أمير المؤمنين علي عليه السلام على ما ذكره ابن أبي الحديد وغيره.
وثالثها: أن الزهري الذي يروي عن ابن المسيب كان من عمال بني أمية ومرتزقة مائدة أعداء أهل البيت في أيام تجبرهم ومن كان هذا حاله، كيف يوثق به ويؤخذ عنه من الرواية في حق أهل البيت ووالد أمير المؤمنين عليه السلام؟!
ورابعها: أنّ بكر بن الهيثم شيخ البلاذري الذي يروي عنه مجهول!!
3/ قال البلاذري أيضاً: وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الواقِدِيِّ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ فِي أبِي طالِبٍ: «وهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ وما يَشْعُرُونَ».
وكان تعليق المحمودي بالقول: هذا أيضاً باطل من وجوه:
الأول: أن الثابت بعدة طرق عن ابن عباس خلاف هذا، وأنّ الآية الكريمة نزلت في المشركين الذين كانوا ينهون الناس عن محمد ان يؤمنوا به، وينأون - أي ويتباعدون- عنه، كما في تفسير الطبري: ٧/ ١٠٩، والدر المنثور: ج ٣ ص ٢ و٨- ٩، وكما في تفسير الالوسي: ٧/ ١٢٦، وتفسير القرطبي: ٦ ص ٣٨٢، وتفسير ابن كثير: ٢ ص ١٢٢، وتفسير الشوكاني: ج ٣ ص ٩١- ٩٢، كذا روى عنهم جميعا في الغدير.
الثاني: أن هذا خلاف الظاهر من سياق الآية الكريمة، إذ المستفاد منه أنهم كانوا قد جمعوا بين
هامش
148 ) سورة الأنعام:26