ومالها وعبيدها وجميع ما تملكه يمينها إجلالاً له وإعظاماً لمقامه ورغبة فيه..
كان هذا الإعلان الصادق منها يعبر بشكل كامل عن طريقة الحياة التي اختارتها مع النبي محمد صلى الله عليه وآله، وبالفعل فقد ترجمت حياتها مواد هذا الإعلان فقد أنفقت وأنفقت حتى لقد قام الإسلام على عمودي سيف علي ومال خديجة. وكان النبي يتصرف في ذلك المال لنصر الدعوة فيُعِين الفقير الذي أضر به الفقر، ويعتق المملوك المسلم من يد مالكه الكافر، بل إن تجهيز المسلمين للهجرة كان من أموال خديجة، فإنه من المعلوم أن السفر أياً كان يحتاج إلى مؤونة مالية سواء للطعام أو للراحلة، أو بعد الوصول إلى المقصد حتى تتهيأ حياة جديدة للمهاجر، وكان المسلمون المهاجرون لا سيما للحبشة غالبهم من الضعفاء والفقراء فكان مال خديجة هو الأساس المعتمد، وهجرة الفواطم وأهل النبي من مكة للمدينة كذلك، ولهذا لما سئل أبو رافع وهو يحدث عن هجرة علي عليه السلام من مكة: أو كان يجد النبي ما ينفقه هكذا؟ قال: وأين يذهب بك عن مال خديجة عليها السلام؟
وبعدها لا غرابة أن نجد أن الرسول صلى الله عليه وآله، وقد أسلمت له العرب أقدارها، واليهود أذعنت إليه بأموالها، وأصبحت ميزانية الدولة الإسلامية في عهده ضخمة، ومع ذلك يقول: ما نفعني مال قط ما نفعني مال خديجة![46].. لقد كانت صاحبة المال مباركة وكانت نيتها في العطاء خالصة، فجاءت هذه البركات.
أم الذرية النبوية الطاهرة
كان رهان الكفار أولاً على النبي، وأنه سوف يتراجع عن دعوته عندما يجد أن قريشاً كلها يد ضده، أو أنهم يمكن أن يغروه بالمال وغيره.. وفشل هذا الرهان منذ الأيام الأولى عندما أعلنها بصراحة لهم: لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه. ثم كان رهانهم على إيذاء المسلمين وفتنتهم، وأنهم عندما يلقون الإيذاء والاضطهاد والمقاطعة سوف يتركون دينهم الجديد.. ولم يكن حظ هذا الرهان إلا كسابقه.. وكعادة الغريق الذي يتشبث بأي حشيش أو طحلب، راهنوا وما أكثر رهانهم وقمارهم هذه المرة على الزمان والأيام، فهم يرون أن محمداً هو كل شيء في هذه الدعوة، وعما قريب يهلك أو يقتل، فتموت بذلك دعوته إذ أنه لا عقب له، بل هو (أبتر) كما كان يقول العاص بن وائل.
وهنا يتجلى إكرام الله لخديجة، ومباركته إياها فإذا بها تكون أم الذرية، ووالدة الكوثر، ويمن الله سبحانه على نبيه وعلى هذه السيدة الجليلة بل على الأمة بهذه السلالة الطاهرة (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) سورة الكوثر.
فقد رزق الرسول منها القاسم والطاهر (وهو عبد الله) وقد توفيا صغيرين، كما رزق منها سيدة نساء العالمين أجمعين فاطمة الزهراء عليها السلام، وهي التي كان منها ذريته وبقي منها نسله، فكانت بحقًّ (الكوثر والخير الكثير)، وبقي امتداد رسول الله منها ذرية طيبة يملؤون الأرض نوراً وهدايةً في كل عصر، وينفون عن الدين تأويل المبطلين.. بينما كان شانئه وشانئهم هو الأبتر، الذي يذهب الضجيج الذي يصنعه بذهابه ويموت ذكره بحلوله في التراب.
هامش
46 ) المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، ج19 ص63.