تكون من حملة العلم الإمامي العلوي والمحمدي وهي مرتبة لا تنال إلا للخواص، ذلك أن العلم النبوي قد فرق على الناس بما يشبه (رش المطر) ولكن عند أهل البيت أصوله، ومنابعه([196]).
وقد رزقها الله فهماً حسناً وذكاءً كثيراً، فظلت تتلقى عن الباقر عليه السلام علوم أجداده الطاهرين ولذلك لم تكن بحاجة بعد هذا إلى أن تأخذ مما أناله الرسول صلى الله عليه وآله لعامة الناس.. لقد استغنت بما أغناها الله به من علوم أهل البيت.. وذات مرة كانت تطوف وهي متنكرة {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ}([197])، قال عبد الأعلى: رأيت أم فروة تطوف بالكعبة عليها كساء متنكرة فاستلمت الحجر بيدها اليسرى فقال لها رجل ممن يطوف: يا أمة الله أخطأت السنة، فقالت: إنا لأغنياء عن علمك([198]).
وهذا العلم الذي كانت تنثره حيث تجد أرض غراس طيبة، ولذلك لما جاءت إلى بيتها مولاتها سعيدة([199]) فقد استفادت هذه من أم فروة الكثير من العلم والأدب حتى بلغت مبلغاً عالياً من الإيمان والمعرفة الدينية.
( ( ( (
وإذا كانت ترى زوجة الإمام عليه السلام حجم المعاناة التي يواجهها أئمة أهل البيت عليهم السلام، فتسمع ما صنع بالإمام الحسن عليه السلام , وكيف قتل الحسين عليه السلام ، وترى مقدار المضايقات التي يتعرض لها والد زوجها الإمام السجاد عليه السلام من بني أمية، وأيضا زوجها الباقر فتتألم بصمت فهي لا تريد أن تعيد إنتاج الألم، ولا تريد تكراره في حياتهم.
كما أنها تلحظ حالة المظلومية التي تلف الوضع الشيعي، من إبعاد شيعة أهل البيت عن المواقع المناسبة إلى حرمانهم من العطاء الذي هو حقهم كما هو حق غيرهم، والنظرة الماقتة لدى الكثير من أبناء الأمة تجاه هذه الطليعة وكأنهم (بتشيعهم وحبهم لآل بيت النبي) قد ارتكبوا إثماً عظيماً وجرماً خطيراً حتى أخذوا على الظنة وقتلوا على التهمة!! وقد صدق الشاعر الذي صور هذا المعنى:
إن اليهود بحبها لنبيها
| أمنت بوائق دهرها الخوان
هامش
196 ) في الاختصاص للشيخ المفيد ص 308: عن الإمام الصادق عليه السلام: إن رسول الله ( أنال وأنال - يشير كذا وكذا - وعندنا أهل البيت أصول العلم وعراه وضياؤه وأواخيه.
197 ) سورة الأحزاب آية/59
198 ) الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، فروع الكافي ج 4 ص 428: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن النعمان، عن داود بن فرقد، عن عبد الأعلى والسند صحيح.
199 ) سوف يأتي بعض الحديث عنها في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام.