تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كاظم الغيظ الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
ولم يكن أمر اغتياله صلوات الله عليه بالسم شيئا منكرا في عالم الحاكمين حتى يتردد بعض المؤرخين ممن هم عبدة السلاطين في ذكر ذلك مع علمهم به، بل لم يكن أمر اغتيال الخصوم بكل وسيلة ممكنة شيئا طارئا، فالذي ينظر مليا في موسوعة العذاب لعبود الشالجي، وهي قطرة من محيط القسوة والحيوانية التي كانت تسيطر على أولئك الحاكمين، أو يرجع إلى كتاب أسماء المغتالين من الأشراف لابن المحبر البغدادي، يرى أن قتله لو لم يكن بتلك الصورة من السم بعد العذاب والتنكيل، كان مستنكرا ومستغربا! بل كانت تصفياتهم بعضهم لبعض وتخلص بعضهم من بعض[213] ما استطاعوا لذلك سبيلا هو الطريق المفضل لهم كيف لا وهم لا يرجون لله وقارا، ولا يعتقدون حقيقةً جنة أو نارا! وإنما هي هذه الحياة الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر! هذه هي طريقة حياتهم، ودع عنك كلمات المنبر ووعظ العامة، فإنها عندهم حديث خرافة يا ام عمرِو! وبالرغم من محاولة هارون وجلاوزته كالسندي إخفاء آثار الجريمة إلا أنها ظهرت من حيث أرادوا إخفاءها، ففي الرواية عن أحد شهود محاولة إخفاء آثار الجريمة، وكيف أن السندي بأمر هارون قد جمع جمعا غفيرا من أعيان بغداد، وأخرج إليهم الإمام بعد تسميمه، صحيح الظاهر ليس فيه أثر ضرب أو جرح أو غير ذلك لكي يروه ويشهدوا لمن خلفهم بما عاينوا! فانقلب الأمر عليهم: فقد نقل الشيخ الصدوق رحمه الله في الأمالي عن أحد من حضر قوله: جمعنا أيام السندي بن شاهك ثمانين رجلا من الوجوه، ممن ينسب إلى الخير، فأدخلنا إلى موسى بن جعفر عليهما السلام، فقال لنا السندي: يا هؤلاء، انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث، فإن الناس يزعمون أنه قد فعل به مكروه، ويكثرون في ذلك، وهذا منزله وفرشه، موسع عليه غير مضيق، ولم يرد به أمير المؤمنين سوءا، وإنما ينتظره أن يقدم فيناظره أمير المؤمنين، وها هو ذا صحيح موسع عليه في جميع أمره، فسلوه، قال: ونحن ليس لنا همٌّ إلا النظر إلى الرجل وإلى فضله وسمته. فقال (عليه السلام) : أما ما ذكر من التوسعة وما أشبه ذلك، فهو على ما ذكر، غير أني أخبركم أيها النفر، أني قد سقيت السم في تسع تمرات، وإني أحضر غدا، وبعد غد أموت، قال: فنظرت إلى السندي بن شاهك يرتعد ويضطرب مثل السعفة.[214] 3/ كانت المحاولة الأولى في إخفاء الجريمة، وتغيير عنوانها من كونها اغتيالا بالسم، وقتلا متعمدا في السجن من قبل (خليفة المسلمين) الذي يصفون زمانه بالعصر الذهبي، والذي يقول عنه عبدة الطاغوت (.. أمير الخلفاء وأجل ملوك الدنيا"، إن الرشيد يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام، وكان يبكي إلى نفسه، وكان يحج عامًا ويغزو عامًا، وكان يصلّي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الحياة، إلا أن تعرض له علة، وإذا حج، حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج بسبب جهاد أو غزوة أحج كل سنة ثلاث مائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الظاهرة).. هو قاتلٌ بالقتل العمدي لإمام من أئمة المسلمين بل هو إمام المسلمين! ودع عنك باقي جرائمه.. فما ينفعه أن حج عاما ليأمر باعتقال الإمام وسجنه أو غزا عاما آخر ليزيد من جواريه ويمتع نصفه السفلي؟ بعدما جلب الأعيان وشخصيات بغداد ليشهدوا شهادة زور على أن الكاظم كان بخير في سجنه! وأنه لم يقتل ولم يضرب ولم يخنق! فانقلبت عليه الآية وأخبرهم الإمام أنه تم تسميمه بتمرات، وأنه سيموت في اليوم الثالث من وقت تسميمه، هنا لجأوا لحيلة أخرى وهي، ادعاء الغلو لدى الشيعة (والرافضة تعبيرهم) بأنهم يزعمون أن موسى بن جعفر لا
هامش
213 ) فهذا الربيع خادم العباسيين ووزير موسى الهادي العباسي، سمه الهادي هذا في كأس مسمومة وجعله يشربها ومات من ليلته، كما في تاريخ الطبري 6/ 440. وتعاون هارون الرشيد مع أمه الخيزران وهي أم الهادي لاغتيال أخيه موسى الهادي نفسه فسموه من سنته ومات على إثر ذلك، وكان موسى الهادي يدبر في اغتيال أخيه الرشيد ويحيى البرمكي، ونفسه دس لأمه السم في أكلة وأرسلها لها لتموت، لكنها لم تأكل منها.. وهكذا، وهارون دس لإدريس بن عبد الله بن الحسن من يسمه وهو في أفريقيا وكان يفتخر بذلك! وقد ذكر كل هذا وأمثاله في تاريخ اليعقوبي والطبري وتجارب الأمم لابن مسكويه ... فراجع. 214 ) الصدوق: الأمالي ٢١٣ ومثله رواه الصفار في بصائر الدرجات، وإثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب، للمسعودي،