إن التعرف على سير المعصومين لديه رسالة يقول فيها: أيها الناس ليس تاريخ الإسلام تاريخًا للسجون ولا توثيقًا لمجالس اللهو واللعب والملذات وإنما هو تاريخ الجهاد والعبادة والصبر والعطاء والفضيلة، وهذا التاريخ هو الذي مثله أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم من ذرية نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله.
ولولا هذه السيرة والتاريخ الناصع لما كان في تاريخ السلطات تلك والحاكمين إلا سوءات الشهوات، وقسوة الجلادين
وفي هذه الصفحات سيكون لنا مرور ولو سريع على حياة عالم آل محمد، والذي وصف في زيارته بأنه " وصيّ الأبرار، وإمام الأخيار، وعيبة الأنوار، ووارث السكينة والوقار والحكم والآثار، الذي كان يحيي الليل بالسهر إلى السحر، بمواصلة الاستغفار حليف السجدة الطويلة، والدموع الغزيرة، والمناجاة الكثيرة، والضراعات المتصلة الجميلة، ومقرّ النهي والعدل، والخير والفضل، والندى والبذل، ومألف البلوى والصبر، والمضطهد بالظلم، والمقبور بالجور، والمعذب في قعر السجون وظلم المطامير، ذي الساق المرضوض بحلق القيود، والجنازة المنادى عليها بذل الاستخفاف، والوارد على جده المصطفى وأبيه المرتضى، وأمه سيدة النساء، بإرث مغصوب، وولاء مسلوب، وأمر مغلوب، ودم مطلوب وسم مشروب. اللهمّ وكما صبر على غليظ المحن، وتجرع فيك غصص الكرب، واستسلم لرضاك، وأخلص الطاعة لك، ومحض الخشوع واستشعر الخضوع، وعادى البدعة وأهلها، ولم يلحقه في شيء من أوامرك ونواهيك لومة لائم ".[5]
الإمام الكاظم عليه السلام من الميلاد الى الاستشهاد
نتناول في هذه الصفحات عرضا اجماليا لحياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، ومن الطبيعي ونحن نتناول سيرة هذا الإمام أن نحدد معنى الإمامة المقصودة هنا وماذا يعني الإمام؟
معنى الإمام في الاصطلاح اللغوي،
والإمام: كلّ من اقتدي به وقدّم في الأمور، والنبيّ (ص)إمام الأئمّة، والخليفة إمام الرعيّة، والقرآن إمام المسلمين[6]
وبهذا المعنى اللغوي فلا اختصاص له بالهدى وإنما قد يكون قائدا إلى النار وسائقا إلى الضلال كما في الآية المباركة (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) ، وكما للإيمان أئمة[7] فكذلك للكفر (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) ، فكل من يقتدى به في أفعاله وأقواله فهو إمام شاء أو أبى! ومنه كان إمام الجماعة في الصلاة، ويطلق على العلماء أئمة لما كانوا محل اتباع من قبل بعض الناس!
معنى الإمام في اعتقاد الإمامية الاثني عشرية:
أما الإمام في العقيدة الإمامية الإثني عشرية فهو الشخص الذي عينه الله تعالى في هذا المنصب قائداً للناس في دينهم ودنياهم، وتم تبليغ ذلك على يد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، وهو عندهم لا بد أن يكون معصومًا عن أي ذنب صغير أو كبير وبعمد كان أو خطأ.
ولأن التعيين إلهي فإن إمامته تلك لا تتأثر باتباع الناس له، أو رفضهم إياه، بمعنى أنه لا يكون إماما لأن الناس تتبعه، ولا ينعزل إذا رفضوا بيعته وطاعته، بخلاف ما هو في المعنى اللغوي حيث يتقوم الإمام باتباع المأمومين له، ويفقد
هامش
5 ) ابن طاووس، علي بن موسى: مصباح الزائر 383
6 ) المصطفوي، الشيخ حسن: التحقيق في كلمات القرآن الكريم ١/ ١٣٦
7 ) (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ) الأنبياء: 73