فاجمع له مع المحبة الخالصة طاعة لازمة ؛ فقلت له : جعلني اللَّه فداك ، إذا ثبتت الأصول في القلوب ، نطقت الألسن بالفروع ، واللَّه يعلم أنّ قلبي لك شاكر ، ولساني بالثناء عليك ناثر [ 1 ] ؛ وما يظهر الودّ المستقيم ، إلا من القلب / السليم ؛ قال : فأبرىء ساحتك عندي بكثرة مجيئك إليّ ؛ فقلت : أجعل مجيئي إليك في الليل والنهار نوبا أتيقّظ لها كتيقّظي للصلوات الخمس ، وأكون بعد ذلك مقصّرا ؛ فضحك وقال : من يقدر على جواب المغنّنين ! ؛ فقلت :
من اتخذ الغناء لنفسه ولم يتخذه لغيره ؛ فضحك أيضا ، وأمر لي بخلع ودنانير وبرذون وخادم . وبلغ الخبر المعتصم ، فضاعف لإبراهيم ما أعطاني ، فرحت وقد ربحت وأربحت .
عتب عليه الفضل بن الربيع فكتب إليه :
حدّثنا الحرميّ قال حدّثنا الدّيناريّ قال حدّثني إسحاق قال :
عتب عليّ الفضل بن الرّبيع في شيء بلغه عنّي ؛ فكتبت إليه : « إنّ لكل ذنب عفوا وعقوبة ؛ فذنوب الخاصة عندك مستورة مغفورة ، فأمّا مثلي من العامّة فذنبه لا يغفر ، وكسره لا يجبر ؛ فإن كنت لا بدّ معاقبي فإعراض لا يؤدّي إلى مقت » .
جواب الأعرابيّ الذي كان عنده للفضل بن الربيع حين سأله عما كانوا فيه :
/ حدّثني الحرميّ قال حدّثنا الدّيناريّ قال حدّثني إسحاق قال :
كان يختلف إليّ رجل من الأعراب ، وكان الفضل بن الربيع يقرّ به ويستظرف كلامه ، وكان عندي يوما وجاء رسول الفضل يطلبه فمضى إليه ؛ فقال له الفضل : فيم كنتم ؟ قال : كنا في قدر تفور ، وكأس تدور ، وغناء يصور [ 2 ] ، وحديث لا يحور [ 3 ] .
كان يصنع الشعر وينحله الأعراب :
حدّثنا الحرميّ قال حدّثنا الحسين بن طالب [ 4 ] قال :
كان إسحاق يقول الشعر على ألسن الأعراب ، وينشده للأعراب ، وكان يعايي بذلك أصحابه ويغرب عليهم به ؛ فمن ذلك ما أنشدنيه لأعرابيّ :
/
لفظ الخدور عليك حورا عينا
أنسين ما جمع الكناس قطينا [ 5 ]
فإذا بسمن فعن كمثل غمامة
أو أقحوان الرمل بات معينا [ 6 ]
هامش
[ 1 ] في أ ، ء ، م : « ناطق » .
[ 2 ] يصور : يصوت .
[ 3 ] لا يحور : لا يرجع ، يريد أنه دائما مجدّد طلى غير معاد . وفي م : « لا يجور » بالجيم .
[ 4 ] تراجع الحاشية رقم 2 من الصفحة السالفة .
[ 5 ] لفظ : أخرج . والقطين : اسم جمع لقاطن ، وهو من قطن بالمكان إذا أقام به وتوطنه .
[ 6 ] معين : ريان ، يقال : معن الموضع والنبت ( بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع ) إذا روى من الماء . ويقال : معن المطر الأرض إذا تتابع عليها فأرواها . فيحتمل هنا أن يكون « معين » فعيلا بمعنى فاعل على المعنى الأوّل ، وأن يكون فعيلا بمعنى مفعول على المعنى الثاني ، أي تتابع عليه المطر فأرواه .