لمّا أراد الفضل بن يحيى الخروج إلى خراسان ودّعته ، ثم أنشدته بعد التوديع :
/
فراقك مثل فراق الحياة
وفقدك مثل افتقاد الدّيم
عليك السلام فكم من وفاء
أفارق فيك وكم من كرم
قال : فضمني إليه ، وأمر لي بألف دينار ، وقال لي : يا أبا محمد ، لو حلَّيت هذين البيتين بصنعة / وأودعتهما من يصلح من الخارجين معنا ، لأهديت بذلك إليّ أنسا وأذكرتني بنفسك ؛ ففعلت ذلك وطرحته على بعض المغنّين ؛ فكان كتابه لا يزال يرد عليّ ومعه ألف دينار يصلني بذلك كلما غنّى بهذا الصوت . قال الصّوليّ : وهو من طريقة الرّمل .
حديثه عما حمله الأصمعي من كتب حين خرجا مع الرشيد إلى الرقة :
أخبرني عمي قال حدّثني عمر بن شبّة عن إسحاق قال :
قال لي الأصمعيّ : لمّا خرجنا مع الرشيد إلى الرّقّة قال لي : هل حملت معك شيئا من كتبك ؟ فقلت : نعم ، حملت منها ما خفّ حمله ؛ فقال : كم ؟ فقلت : ثمانية عشر صندوقا ؛ فقال : هذا لمّا خفّفت ، فلو ثقّلت كم كنت تحمل ؟ فقلت : أضعافها ؛ فجعل يعجب .
شعر إسحاق في المعتصم حين ولي الخلافة :
أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق قال :
لمّا ولي المعتصم دخلت إليه في جملة الجلساء والشعراء ؛ فهنّأه القوم نظما ونثرا وهو ينظر إليّ مستنطقا ؛ فأنشدته :
صوت
لاح بالمفرق [ 1 ] منك القتير [ 2 ]
وذوى غصن الشّباب النّضير
هزئت أسماء منّى وقالت
أنت يا بن الموصليّ كبير
/ ورأت شيبا برأسي [ 3 ] فصدّت
وابن ستّين بشيب جدير
لا يروعنّك شيبي فإنّي
مع هذا الشّيب حلو مزير [ 4 ]
قد يفلّ [ 5 ] السيف وهو جراز
ويصول الليث وهو عقير [ 6 ]
يا بني العبّاس أنتم شفاء
وضياء للقلوب ونور
أنتم أهل الخلافة فينا
ولكم منبرها والسرير
هامش
[ 1 ] المفرق ( كمقعد ومجلس ) : وسط الرأس وهو الذي يفرق فيه الشعر .
[ 2 ] القتير : الشيب ، وقيل : هو أوّل ما يظهر منه .
[ 3 ] في « تجريد الأغاني » لابن واصل : « علاني » .
[ 4 ] المزير : الظريف .
[ 5 ] الفل : ثلم ينال حد السيف . والجراز ( بالضم ) : الماضي القطاع .
[ 6 ] عقير : مجروح أو مقطوع القوائم .