سنّورتان [ 1 ] قد نزلتا من درجة السّرداب ، بيضاء وسوداء ، فقالت إحداهما : أتراه نائما [ 2 ] ؟ فقالت السوداء : هو نائم ؛ فاندفعت السوداء فغنّت بأحسن صوت :
عفا مزج [ 3 ] إلى لصق [ 4 ]
إلى الهضبات من هكر [ 5 ]
إلى قاع النّقير [ 6 ] إلى
قرار حلال [ 7 ] ذي حدر [ 8 ]
قال : فمات إبراهيم فرحا وقال : يا ليتهما أعاداه ! فأعاداه مرارا حتى أخذه ، ثم تحرّك فقامت السّنّورتان ، وسمع إحداهما تقول للأخرى : واللَّه لا طرحه على أحد إلا جنّ ، فطرحه من غد على جارية له فجنّت .
نسبة هذا الصوت
الغناء فيه لمالك ثقيل أوّل بالوسطى عن يحيى المكَّي وعمرو بن بانة .
طلب من الفضل بن يحيى مالا فحصل له عليه ممن قضى حوائجهم :
أخبرني الحسن بن عليّ وعمّي قالا حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن مالك قال حدّثني أبو محمد إسحاق بن إبراهيم عن أبيه قال :
/ أتيت الفضل بن يحيى يوما ، فقلت له : يا أبا العبّاس ، جعلت فداك ! هب لي دراهم فإنّ الخليفة قد حبس يده ؛ فقال : ويحك يا أبا إسحاق ! ما عندي مال أرضاه لك ، ثم قال : هاه ! إلَّا أن هاهنا خصلة [ 9 ] أتانا رسول صاحب اليمن فقضينا حوائجه ، ووجّه إلينا بخمسين ألف دينار يشتري لنا بها محبّتنا ؛ فما فعلت ضياء جاريتك ؟
قلت : عندي ، جعلت فداك ! ؛ قال : فهو ذا ، أقول لهم يشترونها منك فلا تنقصها من خمسين ألف دينار ؛ فقبلَّت رأسه ثم انصرفت ؛ فبكَّر عليّ رسول صاحب اليمن ومعه صديق لي ، فقال : جاريتك فلانة عندك ؟ فقلت : عندي ؛ فقال : اعرضها عليّ ، فأخرجتها ؛ قال : بكم ؟ قلت : بخمسين ألف دينار ولا أنقص منها دينارا واحدا ، وقد أعطاني بها الفضل بن يحيى أمس هذه العطيّة ؛ فقال لي : أريدها له ؛ فقلت له : أنت أعلم ، إذا اشتريتها فصيّرها لمن شئت ؛
هامش
[ 1 ] السنورة : الهرّة .
[ 2 ] كذا في أكثر الأصول . وفي ب ، س : « نرى نائما » .
[ 3 ] كذا في أكثر الأصول . ومزج ( بالضم ثم السكون ) : ماء بينه وبين المدينة ثلاثون فرسخا أو نحوها . وفي ب ، ح . س : « مزح » ( بالحاء المهملة ) ، وهو تصحيف .
[ 4 ] كذا في جميع الأصول ، ولم نعثر على هذا الاسم في المرجع التي بين أيدينا . ولعله مصحف عن « لصف » ( بالفاء ) ، وهو بركة غربيّ طريق مكة بين المغيثة والعقبة على ثلاثة أميال من صبيب غربيّ واقصة . ( راجع « معجم البلدان » لياقوت و « القاموس » و « شرحه » في « لصف » ) .
[ 5 ] هكر ( بفتح أوّله وكسر ثانيه وراء مهملة ) : موضع على نحو أربعين ميلا من المدينة .
[ 6 ] كذا في ط ، ء . والنقير ( بفتح أوله وكسر ثانيه ) : موضع بين هجر والبصرة . وفي سائر الأصول : « البقير » بالباء الموحدة ، ولم نعثر عليه في المراجع التي بين أيدينا .
[ 7 ] حلال ( بكسر الحاء وتخفيف اللام ) : من نواحي اليمن .
[ 8 ] كذا في ط ، ء . والحدر ( بالدال المهملة ) : ما انحدر من الأرض وهو الصبب . وفي سائر الأصول : « ذي حذر » بالذال المعجمة ، وهو تصحيف .
[ 9 ] كذا في الأصول ، وظاهر سياق الكلام يقتضي أن يكون المراد مخرجا أو فرصة ونحو ذلك . فلعل كلمة « خصلة » محرّفة عما يؤدّي هذا المعنى .