فسلم إليه فحبسه عنده[61] سنة، وكتب إليه الرشيد في دمه، فاستدعى عيسى بن جعفر بعض خاصته وثقاته فاستشارهم فيما كتب به الرشيد، فأشاروا عليه.. بالتوقف عن ذلك والاستعفاء منه، فكتب عيسى بن جعفر إلى الرشيد يقول له: قد طال أمر موسى بن جعفر ومقامه في حبسي، وقد اختبرت حاله ووضعت عليه العيون طول هذه المدة، فما وجدته يفتر عن العبادة، ووضعت من يسمع منه ما يقول في دعائه فما دعا عليك ولا عليّ ولا ذكرنا
في دعائه بسوء، وما يدعو لنفسه إلا بالمغفرة والرحمة، فإن أنت أنفذت إليّ من يتسلمه مني وإلا خليت سبيله فإنني متحرج من حبسه.
وروي: أن بعض عيون عيسى بن جعفر رفع إليه أنه يسمعه كثيرا يقول في دعائه وهو محبوس عنده: " اللهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، اللهم وقد فعلت فلك الحمد ".[62]
ومن خلال بعض القرائن يظهر أن عيسى بن جعفر المنصور، كان متعقلا لا سيما وقد رأى الإمام على الطبيعة، ولا ريب أن من يعاين المعصومين عليهم السلام ويرى انقطاعهم إلى الله وأخلاقهم وزهدهم لا يملك إلا أن يخضع[63] لهم ويعجب بهم، فإن الفطر السليمة لا تملك إلا أن تستحسن الحسن وتتعاطف مع المظلوم وقد اجتمعا في الإمام عليه السلام. ولا ريب أنه وهو يراقب الإمام خلال سنة كاملة قد ملئ إعجابا به، بل تشير بعض الأخبار إلى أنه سمح للعلماء ولشيعته في البصرة أن يجتمعوا إليه ويسألوه عما أشكل عليهم من أمور دينهم!
ونحتمل أن هارون استشعر ـ وكان لا يثق كثيرا بعماله وولاته بل كان يضع عليهم الرصد والجواسيس ـ بأن عيسى يخفف على موسى بن جعفر عليه السلام، بل يعجب بشخصيته، فكان أن أرسل هارون إليه يأمره بقتله فاستعفى من تنفيذ الأمر ورد عليه بأنه إن لم يبعث أحدا يستلمه منه فسوف يطلق سراح الإمام عليه السلام! ومن هنا بدأت مرحلة السجن الثاني للإمام موسى في بغداد.
3/ سجن الإمام عليه السلام للمرة الثانية في عصر هارون:
بعد إخراجه من سجن عيسى بن المنصور، وإشخاصه من البصرة إلى بغداد العاصمة، تم تسليم الإمام عليه السلام إلى الفضل بن الربيع (الوزير العربي لهارون) [64]ليسجن في بيت عنده. [65]
هامش
61 ) القرشي، الشيخ باقر شريف: حياة الإمام موسى بن جعفر (ع) ٢/٤٦٩.. وانما حبسه هارون في بيوت وزرائه، ولم يعتقله في السجون العامة «كالمطبق» وغيره، نظرا لخطورة الإمام (ع) وسمو مكانته، وعظم شخصيته فان الشخصيات النابهة كانت لا تعتقل في السجون العامة، فقد سجن عبد الملك ابن صالح لما غضب عليه الرشيد عند الفضل بن الربيع وكذلك سجن إبراهيم بن المهدي عند أحمد بن أبي خالد ولذلك سجن الامام في بيوت الوزراء وكبار رجال الدولة.
62 ) المفيد، الشيخ محمد بن النعمان: الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد٢/٢٤٠
63 ) وهذا ما نراه في كثير من القصص التي يتبين لأصحابها فضل الإمام خلافا لما كانوا يسمعون عنه فيخضعون قائلين: الله أعلم حيث يجعل رسالته.. وإليه أشارت الزيارة في حقهم: "طأطأ كل شريف لشرفكم "
64 ) يشير باحثون إلى صراع السلطة بين تيارين في الخلافة العباسية أيام هارون؛ بين تيار عربي على رأسه الربيع وأبناؤه والآخر فارسي على رأسه يحيى البرمكي وأبناؤه، وكان بينهما صراع انتهى إلى نكبة البرامكة لأسباب منها تحريض الفضل بن الربيع كما قيل ومن معه.
65 ) الربيع بن يونس توفي في أول سنة سبعين ومائة. وقال الطبري: مات الربيع في سنة تسع وستين ومائة. وقيل إن الهادي سمه، وقيل مرض ثمانية أيام ومات، وقد ذكر ابن الطقطقي في الفخري في الآداب السلطانية 67 قصة سمه وسببها.. كان الربيع حاجب أبي جعفر المنصور، ثم أصبح وزيره، وكان المنصور كثير الاعتماد عليه؛ وقال بعضهم " كان المنصور إذا أراد بإنسان خيراً أمر بتسليمه إلى الربيع، وإذا أراد به شراً سلمه للمسيب بن زهير الضبي.
يظهر من بعض الروايات والنصوص التاريخية وجود ميل لديه تجاه أهل البيت عليهم السلام وإن كان هذا ـ كما أعتقد ـ لا يرقى إلى أن يجعله جزءا من أوليائهم، وإنما يبقى في دائرة الاعجاب، وقد يكون بعض ما نقل عنه راجعا إلى المرحلة السابقة لوزارته لدى العباسيين فقد نقل الحر العاملي في إثبات الهداة ٤/ ٢٠٨ عن الفضل بن الربيع عن أبيه الربيع بن يونس صاحب المنصور، وكان قبل الدولة كالمنقطع إلى جعفر بن محمد عليه السلام في حديث له عن جعفر بن محمّد عليه السلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن جبرئيل عليه السلام قال: نجا يا محمد من تولى عليا وزيرك في حياتك ..
وفي موارد متعددة يبدو منه التعاطف مع الامام عليه السلام حين يستدعيه المنصور، كما نقل ذلك أيضا الحر العاملي في نفس المصدر ص ٢٠٩، حدّث عبد اللّه بن الفضل بن الربيع قال: حج المنصور في سنة سبع وأربعين ومائة ولمّا قدم المدينة قال للرّبيع: ابعث إلى جعفر بن محمّد من يأتينا به سعيا قتلني اللّه إن لم أقتله فتغافل الرّبيع عنه وتناساه فأعاد عليه في اليوم الثاني وأغلظ له في
القول فأرسل إليه الرّبيع فلمّا حضر قال له الرّبيع: يا أبا عبد اللّه اذكر اللّه تعالى فإنّه قد أرسل إليك ما لا دافع له غير اللّه وإنّي أتخوّف عليك فقال جعفر: لا حول ولا قوّة إلّا باللّه العظيم! ثم إن الربيع دخل به على المنصور فلمّا رآه المنصور أغلظ له بالقول فقال: يا عدوّ اللّه اتّخذك أهل العراق إماما يجبون إليك زكاة أموالهم تلحد في سلطنتي وتبتغي إليّ الغوائل قتلني اللّه إن لم أقتلك فقال جعفر: يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطي فشكر، وإن أيّوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، فهؤلاء أنبياء اللّه وإليهم يرجع نسبك ولك فيهم أسوة حسنة، فقال المنصور: أجل لقد صدقت يا أبا عبد اللّه ارتفع إلى هاهنا عندي ثم قال: يا أبا عبد اللّه إن فلان الفلاني أخبرني عنك بما قلت لك فقال: أحضره يا أمير المؤمنين ليواقفني على ذلك، فأحضر الرّجل الذي سعى به إلى المنصور فقال له المنصور: أحقّا ما حكيت لي عن جعفر فقال: نعم، يا أمير المؤمنين قال جعفر: فاستحلفه على ذلك فبدر الرّجل وقال: واللّه العظيم الّذي لا إله إلّا هو عالم الغيب والشهادة الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأخذ يعدّ في صفات اللّه، فقال جعفر: يا أمير المؤمنين يحلف بما أستحلف به ويترك يمينه هذا فقال المنصور: حلّفه بما تختار فقال جعفر عليه السّلام: قل برئت من حول اللّه وقوّته والتجأت إلى حولي وقوّتي لقد فعل كذا وكذا فامتنع الرّجل فنظر إليه المنصور منكرا فحلف بها فما كان بأسرع من أن ضرب برجله الأرض وقضى ميتا مكانه في المجلس فقال المنصور: جرّوا برجله وأخرجوه لعنه اللّه .
غير أن هناك رواية يستفاد منها أنه معدود في الظلمة وأن من يتعامل معه يكون من أعوان الظلمة!، وهي الواردة في الكافي ٥/ ١٠٥ بسنده إلى محمد بن عذافر، عن أبيه قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا عذافر إنك تعامل أبا أيوب والربيع، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة؟ قال: فوجم أبي فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) لما رأى ما أصابه: أي عذافر إنما خوفتك بما خوفني الله عز وجل به، قال محمد: فقدم أبي فلم يزل مغموما مكروبا حتى مات.. ولعل المستفاد منها أن مجرد تعاطفه النفسي مع الامام، مع كونه ممن يوطدون أركان الحكم الظالم لا ينفعه! فهو يحشر معهم لأنه يعمل معهم ويؤيد سلطانهم، وإن كان (يحب) الامام.