تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كاظم الغيظ : الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 2

مساهمون:

ص٢
وحركاته، فإذا كان هذا النموذج عابثاً ربما سار المجتمع على طريقة العبث وإذا كان هادفاً كان يمكن أن يتحرك المجتمع في طريق الجدية. إن المدنية الغربية اليوم لم تنجح فقط بأجهزتها التقنية المتقدمة، بل بالنموذج الذي قدمته للأمم الأخرى، بحيث يصبح طموح شباب تلك الأمم هو أن يكونوا كنموذج الشاب الغربي ـ رجلا أو امرأة ـ في ثقافته وسلوكه. وتأتي بقية الأمور لتدعم صورة هذا النموذج. لذلك ليس غريبا أن يكون الرياضي الفلاني في فريق غربي هو المثل الأعلى للشباب، يعلقون صوره في غرفهم، ويقلدون مظهر ملابسه وقصة شعر رأسه، ويتابعون أخباره أفضل مما يتابعون دروسهم المدرسية! وتسأل بعضهم ماذا يريد أن يكون فيجيبك بأنه يريد أن يكون مثل فلان! ونفس الكلام بالنسبة للشابة في بلاد المسلمين أو الشرق عموما عندما تجد أنها أعلى ما تريد الوصول له هو نموذج الممثلة الفلانية، وتهلك نفسها أحيانا وتحطم حياتها من أجل أن تشبهها! ولو على حساب صحتها. إنهم يريدون القول إن السعادة تكمن في هذا الطريق وسلوكه، من أراد الثراء فهذا هو الطريق، ومن ينشد النجاح في الحياة فليقلد هذه أو تلك! هذا على المستوى الفردي والشخصي في حياة الناس. وعلى المستوى السياسي والعام فإنه يتم أيضا تسويق نموذج على أنه النموذج الأفضل في الإدارة السياسية والاجتماعية وأن المجتمعات التي تريد الرفاه لا بد أن تسلكه! فإنه يحصل في الواقع الإسلامي تسويق لتاريخ الدولة الأموية او العباسية باعتبارها هي الحكم الإسلامي! وأن الإسلام قد ازدهر في أيامهما وأن الصورة المتوقعة لحكم المسلمين في أي وقت هي نفس الصورة ببعض التعديلات التي يقتضيها الزمان! إننا نفهم هذا الحرص على تلميع الصورة من هذا المنظار وإلا فإننا لا نعتقد أن هناك قرابة قريبة أو مودة عميقة بين الحاكمين في بلاد المسلمين وبين بني أمية أو بني العباس، ولكن لأن هذا النموذج يخدمهم ويبيض صفحاتهم فهم يسعون لتسويقه! وبإمكانهم أن يكونوا في بعض الجهات أفضل منه، فإذا كان ذلك النموذج هو المثال الجيد فإنهم سيحققون مرتبة أعلى! إن من نكسات الأمة فيما نعتقد أن يكون مثل هارون الرشيد[2] العباسي مثالا للخليفة الإسلامي الناجح والمتفوق، ولا يكون علي بن أبي طالب عليه السلام هو النموذج! ولقد شارك بعض المؤرخين والعلماء المرتبطين بالسلطات في ذلك بشكل أو بآخر، فإذا رأيت أن عالما ومؤرخا كعبد الرحمن بن خلدون يتحدث عن هارون الرشيد بهذا النحو ويصفه بتلك الاوصاف.[3] فماذا سيقول عنه غيره من عامة الناس؟ وماذا سيقول نفس ابن خلدون عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام؟ ومن هذا المنطلق فإننا نرى أن من الضروري التركيز على سير المعصومين من أهل البيت عليهم السلام، لكي تترسخ في الأمة سيرهم، ولتكون أسماؤهم هي النماذج الرفيعة والرموز العالية! وحتى تتجاوز الامة مشكلة تغييب سير المعصومين التي كانت الحكومات الرسمية في أكثر مراحل تاريخ الأمة تسعى فيها[4].
هامش
2 ) إنما نستخدم هذه الألقاب الرسمية للتعريف وإلا فهي كما قال القائل: ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد. 3 ) ابن خلدون، عبد الرحمن: تاريخ ابن خلدون، ج ١/ 23 "..وأما ما تموه له الحكاية من معاقرة الرشيد الخمر واقتران سكره بسكر الندمان فحاشا الله ما علمنا عليه من سوء وأين هذا من حال الرشيد وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة وما كان عليه من صحابة العلماء والأولياء ومحاورته للفضيل بن عياض وابن السماك والعمري ومكاتبته سفيان الثوري وبكائه من مواعظهم ودعائه بمكة في طوافه وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصلوات وشهود الصبح لأول وقتها * حكى الطبري وغيره أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة وكان يغزو عاما ويحج عاما .." 4 ) ذكرنا نماذج وتفاصيل ذلك فيما يرتبط بتغييب سيرة الامام الحسين عليه السلام في كتابنا: أنا الحسين بن علي، فليراجع.