لمّا أراد عبد اللَّه بن جعفر إهداء [ 1 ] بنته إلى الحجّاج ، كان ابن أبي عتيق عنده ، فجاءه الدّلال متعرّضا فاستأذن .
فقال له ابن جعفر : لقد جئتنا يا دلال في وقت حاجتنا إليك . قال : ذلك قصدت . فقال له ابن أبي عتيق : غنّنا ؛ فقال ابن جعفر : ليس وقت ذلك ، نحن في شغل عن هذا . فقال ابن أبي عتيق : وربّ / الكعبة ليغنّينّ . فقال له ابن جعفر : هات . فغنّى ونقر بالدّفّ - والهوادج والرّواحل قد هيّئت ، وصيّرت بنت ابن جعفر فيها مع جواريها والمشيّعين لها - :
يا صاح لو كنت عالما خبرا
بما يلاقي المحبّ لم تلمه [ 2 ]
لا ذنب لي في مقرّط [ 3 ] حسن
أعجبني دلَّه ومبتسمه
شيمته البخل والبعاد لنا
يا حبّذا هو وحبّذا شيمه
مضمّخ بالعبير عارضه
طوبى لمن شمّه ومن لثمه [ 4 ]
/ - قال : ولابن محرز في هذا الشعر لحن أجود من لحن الدّلال - فطرب ابن جعفر وابن أبي عتيق . وقال له ابن جعفر : زدني وطرب . فأعاد اللحن ثلاثا ثم غنّى :
بكر العواذل في الصّبا
ح يلمنني وألو مهنّه
ويقلن شيب قد علا
ك وقد كبرت فقلت إنّه
ومضت بنت ابن جعفر ، فاتّبعها يغنّيها بهذا الشعر - ولعبد آل الهذليّ فيه لحن وهو أحسنها - :
إنّ الخليط أجدّ فاحتملا
وأراد غيظك بالذي فعلا
فوقفت أنظر بعض شأنهم
والنّفس مما تأمل الأملا
وإذا البغال تشدّ صافنة [ 5 ]
وإذا الحداة قد أزمعوا الرّحلا
فهناك كاد الشّوق يقتلني
لو أنّ شوقا قبله قتلا
/ فدمعت عينا عبد اللَّه بن جعفر ، وقال للدّلال : حسبك ! فقد أوجعت قلبي ! وقال لهم : امضوا في حفظ اللَّه على خير طائر وأيمن نقيبة .
هامش
[ 1 ] الإهداء : الزفاف .
[ 2 ] لم تلمه ، أصل ميمه الإسكان فنقلت إليه ضمة الهاء ؛ كقوله :عجبت والدهر كثير عجبه
من عنزيّ سبني لم أضربهنقل ضمة الهاء إلى الباء .
[ 3 ] كذا فيء ، ط . والمقرط : المتحلى بالقرط . وفي سائر الأصول : « مقرطق » . والمقرطق : لابس القرطق ، وهو قباء ذو طاق واحد .
[ 4 ] لثمه ، أصل ميمه الفتح ، فنقلت إليه ضمة الهاء بعده على لغة لخم ؛ لأنهم يجيزون في الوقف نقل حركة الحرف الأخير إلى المتحرك قبله ؛ كقوله : « من يأتمر بالخير فيما قصده » .
[ 5 ] تشدّ : تهيأ عليها الرحال . والصافن من الخيل ونحوه : القائم على ثلاث قوائم وقد أقام الرابعة على طرف الحافر .