وجمّعت من أشياء شتّى خبيثة
فسمّيت لمّا جئت منها مجمّعا
فقال له مجمّع : إنّي لا أحسن الشعر ، ثم أخذ كرنافة [ 1 ] فغمسها في ماء فغاصت ، ثم رفع يده عنها فطفت ، فقال : هكذا واللَّه كانت تصنع خالاتك السّواحر .
طلب من أمّ ليث أن تدخله إلى جارة لها فأبت فعرّضا بها في شعره :
أخبرني الحرميّ قال وحدّثنا الزّبير قال :
كانت امرأة يقال لها أمّ ليث امرأة صدق [ 2 ] ، فكانت قد فتحت بينها وبين جارة لها من الأنصار خوخة ، وكانت الأنصاريّة من أجمل أنصاريّة خلقت . فكلَّم الأحوص أمّ ليث أن تدخله في بيتها يكلَّم الأنصاريّة من الخوخة التي فتحت بينها وبينها ، فأبت ؛ فقال : أما لأكافئنّك ، ثم قال :
هيهات منك بنو عمر ومسكنهم
إذا تشتّيت قنّسرين [ 3 ] أو حلبا
قامت تراءى وقد جدّ الرحيل بنا
بين السّقيفة والباب الذي نقبا
إني لمانحها ودّي ومتّخذ
بأمّ ليث إلى معروفها سببا
فلمّا بلغت الأبيات زوج المرأة ، سدّ الخوخة ؛ فاعتذرت إليه أمّ ليث ، فأبى أن يقبل ويصدّقها . فكانت أمّ ليث تدعو على الأحوص .
وعده مخزوميّ أن يعينه عند الوليد ثم أحلف :
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثني أبي قال :
ركب الأحوص إلى الوليد بن عبد الملك قبل ضرب ابن حزم إيّاه ، فلقيه رجل من بني مخزوم يقال له محمد بن عتبة ، فوعده أن يعينه . فلمّا دخل على الوليد قال : ويحك ! ما هذا الذي رميت به يا أحوص ؟ قال : واللَّه يا أمير المؤمنين ، لو كان الذي رماني به ابن حزم من أمر الدّين لا حتنبته ، فكيف وهو من أكبر معاصي اللَّه ! فقال ابن عتبة : يا أمير المؤمنين ، إنّ من فضل ابن حزم وعذله كذا وكذا ، وأثنى عليه . فقال الأحوص : هذا واللَّه كما قال الشاعر [ 4 ] :
وكنت كذئب السّوء لمّا رأى دما
بصاحبه يوما [ 5 ] أحال على الدّم
شكاه أهل المدينة فنفى إلى دهلك ثم استعطف عمر بن عبد العزيز فلم يعطف عليه :
فأمّا خبره في بقيّة أيّام سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ، فأخبرني به أبو خليفة الفضل بن الحباب
هامش
[ 1 ] الكرنافة : واحدة الكرناف ( بكسر الكاف وضمها ) ، وهو أصول الكرب التي تبقى في جذع النخلة بعد قطع السعف .
[ 2 ] إذا قلت : رجل صدق أو امرأة صدق بالإضافة كسرت الصاد ، وإن نعتّ به فتحتها .
[ 3 ] قنسرين ( بكسر القاف وفتح النون مشدّدة ) : كورة بالشام بالقرب من حلب ، وهي أحد أجناد الشام . فتحها أبو عبيدة بن الجرّاح رضي اللَّه عنه في سنة سبع عشرة .
[ 4 ] هو الفرزدق .
[ 5 ] أحال على الدم : أقبل عليه . ومثله قول الشاعر :فتى ليس لابن العمّ كالذئب إن رأى
بصاحبه يوما دما فهو آكله