ومالك بن الربيع بن مالك حدّثاني جميعا عن الرّبيع بن مالك بن أبي عامر عن أبيه أنه قال :
بينا نحن جلوس عند حسّان بن ثابت ، وحسّان مضطجع مسند رجليه إلى فارع [ 1 ] قد رفعهما عليه ، إذ قال :
مه ! أما رأيتم ما مرّ بكم الساعة ؟ قال مالك : قلنا : لا واللَّه ، وما هو ؟ فقال حسّان : فاختة [ 2 ] مرّت الساعة بيني وبين فارع فصدمتني ، أو قال : فزحمتني . قال : قلنا : وما هي ؟ قال :
/
ستأتيكم غدوا أحاديث جمّة
فأصغوا لها آذانكم وتسمّعوا
قال مالك بن أبي عامر : فصبحنا من الغد حديث صفّين .
سمعه المغيرة بن شعبة ينشد شعرا فبعث إليه بمال :
أخبرنا وكيع قال حدّثنا اللَّيث بن محمد عن الحنظليّ عن أبي عبدة عن العلاء بن جزء العنبري قال :
بينا حسّان بن ثابت بالخيف وهو مكفوف ، إذ زفر زفرة ثم قال :
وكأنّ حافرها بكلّ خميلة [ 3 ]
صاع يكيل به شحيح معدم
عاري الأشاجع [ 4 ] من ثقيف أصله
عبد ويزعم أنّه من يقدم [ 5 ]
قال : والمغيرة بن شعبة جالس قريبا منه يسمع ما يقول ، فبعث إليه بخمسة آلاف درهم . فقال : من بعث بهذا ؟ قال [ 6 ] : المغيرة بن شعبة سمع ما قلت . قال : وا سوءتاه ! وقبلها .
استجار الحارث بن عوف من شعره بالنبي :
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني الأصمعيّ قال :
جاء الحارث بن عوف بن أبي حارثة إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : أجرني من شعر حسّان ، فلو مزج البحر بشعره لمزجه . قال : وكان السبب في ذلك - فيما أخبرني به أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبّة عن الأصمعيّ ، وأخبرني به الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب - أنّ الحارث بن عوف أتى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : ابعث معي / من يدعو إلى دينك وأنا له جار . فأرسل معه رجلا من الأنصار . فغدرت بالحارث عشيرته فقتلوا الأنصاريّ ، فقدم الحارث على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وكان عليه الصلاة والسلام لا يؤنّب أحدا في وجهه ، فقال : « ادعوا لي حسّان » ؛ فدعي له . فلمّا رأى الحارث أنشده :
يا حار من يغدر بذمّة جاره
منكم فإنّ محمدا لم يغدر
هامش
[ 1 ] فارع : اسم أطم ، وهو حصن بالمدينة كان لحسان بن ثابت .
[ 2 ] الفاختة : واحدة الفواخت ، وهي ذوات الأطواق من الحمام ؛ قيل لها ذلك للونها لأنه يشبه الفخت الذي هو ضوء القمر .
[ 3 ] الخميلة : الأرض السهلة التي تنبت ، شبه نبتها بخمل القطيفة .
[ 4 ] الأشاجع : أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف ، وقيل : هي عروق ظاهر الكف ، واحدها : أشجع .
[ 5 ] يقدم : أبو قبيلة ، وهو يقدم بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار . وهو يحتمل أن يكون بضم الميم ، فيكون علما منقولا عن جملة ، نحو :نبئت أخوالي بني يزيدوأن يكون بكسرها ، وبفتحها على أنه ممنوع من الصرف ، فيكون فيه إقواء .
[ 6 ] كذا في جميع الأصول . وكان الأولى أن يكون « قيل » أو « قالوا » .