ثمّ حمل قربتين وحملنا نحن قربة قربة ، ومرّ بين أيدينا لا يكلّمنا ، ولا نكلّمه ، ولا يذكر لنا شيئا ، إلّا أنا نسمع همهمة .
حتى إذا صرنا بموضع الشجر لم نر ممّا رأينا شيئا ، ولا سمعنا ممّا كنا نسمع حسّا حتى إذا كدنا أن نجاوز الشجر سمعنا صوتا منقطعا ابحّ ؟ وهو يقول :
أيّ فتى ليل أخي روعات * وأي سبّاق إلى الغايات
للّه درّ الغرر السادات * من هاشم الهامات والقامات
مثل رسول اللّه ذي الآيات * وعمّه المقتول ذي السبقات
حمزة ذي الجنّات والروضات * أو كعليّ كاشف الكربات
كذا يكون الموفي الحاجات * والضرب للأبطال والهامات
قال سلمة بن الأكوع : وعلي أمامنا يرتجز ويقول :
الليل هول يرهب المهيبا * ويذهل المشجّع اللبيبا
ولست فيه أرهب الترهيبا * لإننّي أهول منه ذيبا
ولست أخشى الروع والخطوبا * ولا أبالي الهول والكروبا
إذا هززت الصارم القضيبا * أبصرت منه عجبا عجيبا
قال سلمة : وانتهى عليّ إلى النبي صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم وله زجل .
فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم : ماذا رأيت في طريقك يا علي ؟
فأخبره بما رآى . فقال : إنّ الذي رأيت مثل ضربه اللّه لي ولمن حضر معي في وجهي هذا . قال عليّ : بأبي وأمّي يا رسول اللّه فاشرحه لي .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلم : أما الرؤس التي رأيت والنيران ، والرؤس ملجلجة بألسنتها لها أصوات هائلة ، وضجّة مفزعة : فذاك مثل أناس يشهدون معي ويرون إحساني ويسمعون عتاب ربي وحكمته ؟ ولا تؤمن قلوبهم .