وقوله : جبّار القلوب على فطراتها ، شقيها وسعيدها ، من قولك : جبرت العظم فجبر ، إذا كان مكسورا فلأمته وأقمته كأنّه أقام القلوب وأثبتها على ما فطرها عليه من معرفته والإقرار به ، شقيّها وسعيدها .
ولم أجعل « جبّارا » هاهنا ، من : أجبرت فلانا على الأمر إذا أدخلته فيه كرها وقسرته ، لا يقال من : ( أفعل فعّال ) ، لا أعلم ذلك إلّا أنّ بعض القرّاء قرأ :
( أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ )
[ غافر : 38 ] ، بتشديد الشين ، وقال : الرّشاد ، اللّه تبارك وتعالى ، فهذا ( فعّال من أفعل ) ، وهي قراءة شاذّة غير مستعملة .
وأمّا قول اللّه تعالى :
( ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ )
[ ق : 45 ] . فإنّه أراد ما أنت عليهم بملك ، والجبابرة : الملوك ، واعتبار ذلك قوله عزّ وجلّ :
( لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ )
[ الغاشية : 22 ] ، أي : بمسلط تسلّط الملوك . فإن كان يجوز أن يقال من : أجبرت فلانا على الأمر ، وأنا جبّار ، وكان هذا محفوظا ، فقد يجوز أن يجعل قول عليّ رضي اللّه عنه : جبّار القلوب ، من ذلك وهو أحسن في المعنى .
وقوله : « دامغ جيشات الأباطيل » ، يريد : المهلك لما نجم وارتفع من الأباطيل ، وأصل الدّمغ من الدّماغ ، كأنّه الذي يضرب وسط الرأس فيدمغ . أي : يصيب الدماغ . ومنه قول اللّه تعالى :
( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ )
[ الأنبياء :
18 ] أي : يبطله ، والدّماغ مقتل ، فإذا أصيب هلك صاحبه . وجيشات : مأخوذ من جاش الشيء إذا ارتفع ، وجاش الماء إذا طما ، وجاشت النّفس .
وقوله : « كما حمل فاضطلع » ، هو ( افتعل ) من الضّلاعة ، وهي القوّة ، ويقال : فلان مضطلع بحمله ، إذا كان قويّا عليه ، والضّلاعة : العظم . ومن الأضلاع أخذ ذلك ؛ لأنّه الجنبين إذا عظما قوي البعير على الحمل .
وقوله : « بغير نكل في قدم » ، النّكل : النّكول . يقال : نكل ينكل عن الأمر نكولا ، هذا المشهور . ونكل ينكل نكلا قليله ، والقدم : التّقدّم ، قال أبو زيد : يقال رجل قدم ،