والسّنخ والأصل واحد ، وأضاف أحدهما إلى الآخر لمّا اختلف اللفظان ، وإن كان المعنى واحدا ، وأراد أنّه من عمل للّه عملا لم يفسد ذلك العمل ولم يبطل ، كما يفسد النّبت بهيج أعلاه وعطش أسفله ، ولكنّه لا يزال ناضرا .
وأغباش الفتنة ظلمها ، واحدها غبش ، وأغباش الليل بقايا ظلمه .
ومنه الحديث في صلاة الصبح : « والنساء متلفّعات بمروطهن ، ما يعرفن من الغبش » . والهدنة هي السكون ، يقال : هدن إذا سكن ، والمهادنة : الإصلاح . وسمّي بذلك ، لأنّ السكون يكون به ، وأراد أنّه لا يعرف ما في الفتنة من الشرّ ، ولا ما في السكون من الخير .
وقوله : « ولم يغن في العلم يوما سالما » ، يريد : أنّ الجهّال يسمّونه عالما ، ولم يلبث في العلم يوما تامّا . وهو من قولك : غنيت بالمكان إذا لبثت به . ومنه قيل للمنزل :
مغنّى ، وللمنازل : مغان ، لأنّه يقام بها .
وقوله : « حتّى إذا ما ارتوى من آجن » ، والآجن : الماء المتغيّر . والآسن نحوه . شبّه علمه به .
وقوله : « قعد لتلخيص ما التبس على غيره » ، يريد : لتبيينه ، وهو والتخليص متقاربان ، ولعلّهما شيء واحد من المقلوب ، خلّصت ولخّصت .
وقوله : « إن نزلت به إحدى المبهمات » ، يريد : مسألة معضلة مشكلة ، وإنّما قيل لها :
مبهمة ، لأنّها أبهمت عن البيان ، كأنّها أصمتت فلم يجعل عليها دليل ولا إليها سبيل ، ومن هذا قيل لما لا ينطق من الحيوان : البهائم ، ومنه قيل للمصمت اللون الذي لا شية له : بهيم ، ومنه قيل للشجاع من الرجال : بهمة ؛ لأنّه استبهم على منازله الوجه الذي يأتيه في القتال منه .
وقوله : « خبّاط عشوات » ، أي : خبط ظلمات ، وخابط العشوة نحو واطئ العشوة .
وهو الذي يمشي في الليل بلا مصباح فيتحيّر ويضل ، وربّما تردّى في بئر أو سقط على
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 307
مساهمون: عزيز آل طالب
ص٣٠٧