فقال : انظروا ما هذا الأذان ! فإذا بشّار يؤذّن سكران ؛ فقال له : يا زنديق يا عاضّ بظر أمه ، عجبت أن يكون هذا غيرك ، أتلهو بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران ! ثم دعا بابن نهيك فأمره بضربه بالسّوط فضربه بين يديه على صدر الحرّاقة [ 1 ] سبعين سوطا أتلفه فيها ، فكان إذا أوجعه السوط يقول : حسّ - وهي كلمة تقولها العرب للشيء إذا أوجع - فقال له بعضهم : انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين ، يقول : حسّ ، ولا يقول : باسم اللَّه ؛ فقال : ويلك ! أطعام هو فأسمّي اللَّه عليه ! فقال له الآخر : أفلا قلت : الحمد للَّه ؛ قال : أو نعمة هي حتّى أحمد اللَّه عليها ! فلما ضربه سبعين سوطا بان الموت فيه ، فألقي في سفينة حتّى مات ثم رمي به في البطيحة ، فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة فدفن بها .
أخبرني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال حدّثني خالد بن يزيد بن وهب بن جرير عن أبيه قال :
لما ولي صالح بن داود أخو يعقوب بن داود وزير المهديّ البصرة ، قال بشّار يهجوه :
هم حملوا فوق المنابر صالحا
أخاك فضجّت من أخيك المنابر
فبلغ ذلك يعقوب فدخل على المهديّ فقال : يا أمير المؤمنين ، أبلغ من قدر هذا الأعمى المشرك أن يهجو أمير المؤمنين ! قال : ويحك ! وما قال ؟ قال : يعفيني / أمير المؤمنين من إنشاده ، ثم ذكر باقي الخبر مثل الذي تقدّمه . فقال خالد بن يزيد بن وهب في خبره : وخاف يعقوب بن داود أن يقدم على المهديّ فيمدحه ويعفو عنه ، فوجّه إليه من استقبله / فضربه بالسّياط حتّى قتله ثم ألقاه في البطيحة في الخرّارة [ 2 ] .
هجا يعقوب بن داود حين لم يحفل به :
أخبرني أحمد بن عبيد اللَّه بن عمّار قال حدّثنا عليّ بن محمد [ 3 ] النّوفليّ عن أبيه وعن جماعة من رواة البصريين ، وأخبرنا يحيى بن عليّ عن أحمد بن أبي طاهر عن علي بن محمد ، وخبره أتم ، قالوا :
خرج بشّار إلى المهديّ ، ويعقوب بن داود وزيره ، فمدحه ومدح يعقوب ، فلم يحفل به يعقوب ولم يعطه شيئا ، ومرّ يعقوب ببشّار يريد منزله ، فصاح به بشّار :
طال الثّواء على رسوم المنزل
فقال يعقوب :
فإذا تشاء أبا معاذ فارحل
فغضب بشّار وقال يهجوه :
بني أميّة هبّوا طال نومكم
إنّ الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا
خليفة اللَّه بين الزّقّ والعود
قال النوفليّ : فلما طالت أيام بشّار على باب يعقوب دخل عليه ، وكان من عادة بشّار إذا أراد أن ينشد أو
هامش
[ 1 ] الحراقة : واحدة الحراقات وهي سفن بالبصرة فيها مرامي نيران يرمي بها العدوّ .
[ 2 ] الخرّارة : موضع بالبطيحة ، وسيذكر المؤلف ذلك في « ص 248 » من هذا الجزء .
[ 3 ] كذا في ح وهو الموافق لما اتفقت عليه النسخ جميعا في هذا السند حين تكرر الإسناد إليه من راوية آخر . وفي باقي النسخ :
« حماد » .