فاجتمع إليه الناس من كلّ كورة « 2 » وأرادوا المسير إلى صفّين ، فاستشارهم وقال : إنّ عليّا قد خرج من الكوفة ، : وعهد العاهد به أنّه فارق النخيلة .
فقال حبيب بن مسلمة : فإنّي أرى أن نخرج حتّى ننزل منزلنا الذي كنّا فيه ، فإنّه منزل مبارك ، وقد متّعنا اللّه به وأعطانا من عدوّنا فيه النصف .
وقال عمرو بن العاص : إني أرى لك أن تسير بالجنود ، حتّى توغّلها في سلطانهم من أرض الجزيرة « 3 » فإنّ ذلك أقوى لجندك وأذلّ لأهل حربك ، فقال معاوية : واللّه إنّي لأعرف أن الذي تقول كما تقول ، ولكن الناس لا يطيعون ذلك .
قال عمرو : إنّها أرض رفيقة . فقال معاوية : إنّ جهد الناس أن يبلغوا منزلهم الذي كانوا به ، يعني صفّين .
فمكثوا يجيلون الرأي يومين أو ثلاثة ، حتّى قدمت عليهم عيونهم : إنّ عليّا اختلف عليه أصحابه ففارقته منهم فرقة أنكرت أمر الحكومة ، وأنّه قد رجع عنكم إليهم ، فكبّر الناس سرورا لانصرافه عنهم ، وما ألقى اللّه عزّ وجلّ من الخلاف بينهم ، فلم يزل معاوية معسكرا في مكانه منتظرا لما يكون من عليّ وأصحابه ، وهل يقبل بالناس أم لا ؟ فما برح حتّى جاءه الخبر : أن عليّا قد قتل أولئك الخوارج ، وأنّه أراد بعد قتلهم أن يقبل بالناس ، وأنّهم استنظروه ودافعوه .
فسرّ بذلك [ معاوية وأصحابه ] .
قال الثقفي : وروى ابن أبي سيف ، عن يزيد بن يزيد بن جابر ، عن عبد الرّحمان بن مسعدة الفزاري قال :
هامش
( 2 ) الكورة - على وزن السورة - : الناحية التي تشتمل على المساكن والقرى ، وجمعها :
الكور - وهي في الإفراد والجمع على زنة سورة وسور - .
وقال ياقوت في معجم البلدان : ج 1 ص 36 : هي كلّ صقع يشتمل على عدة قرى .
( 3 ) يقال : « وغل في البلاد وغولا - من باب وعد - وأوغل فيه إيغالا » : ذهب فيه وأبعد .