تصلح الرّعيّة إلّا بصلاح الولاة ، ولا تصلح الولاة إلّا باستقامة الرّعيّة ، فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالي حقّه ، وأدّى إليها الوالي كذلك ، عزّ الحقّ بينهم فقامت مناهج الدّين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على أذلالها السّنن « 10 » فصلح بذلك الزّمان ، وطاب به العيش ، وطمع في بقاء الدّولة ، ويئست مطامع الأعداء .
وإذا غلبت الرّعيّة وإليهم ، وعلا الوالي الرّعيّة « 11 » اختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت مطامع الجور ، وكثر الإدغال في الدّين ، وتركت معالم السّنن « 12 » فعمل بالهوى ، وعطّلت الآثار ، وكثرت علل النّفوس « 13 » ولا يستوحش لجسيم حدّ عطّل ، ولا لعظيم باطل أثّل « 14 » فهنالك تذلّ الأبرار ، وتعزّ الأشرار ، وتخرب البلاد ، وتعظم تبعات اللّه « 15 » - عزّ وجلّ - عند العباد .
هامش
( 10 ) الأذلال : جمع الذّلّ - بالكسر - : محجّة الطريق ، يقال : أمور اللّه جارية أذلالها ، وعلى أذلالها ، أي على مجاريها ووجوهها . والسنن : جمع السنة .
( 11 ) يقال : « علا زيد عمرا - من باب دعا - علوّا » وعليه علاء - من باب علم - واعتلاه :
قهره وغلبه . وفي نهج البلاغة : « وإذا غلبت الرعية وإليها ، أو أجحف الوالي برعيته » . . .
( 12 ) الإدغال - بكسر الهمزة - هو أن يدخل في الشيء ما ليس منه وهو الإبداع والتلبيس .
وبفتح الهمزة : جمع الدغل - كجبل - وهو الفساد . والمعالم جمع المعلم - كمخزن - :
ما يستدلّ به على الطريق .
وفي نهج البلاغة : « وتركت محاج السنن » أي أوساط طرقها .
( 13 ) علل النّفوس : تسويلاتها وتزينها المعاصي لديها بما فيها من الملكات الفاسدة من حبّ الشهوات .
( 14 ) أي أصّل وأسّس ، ومجد مؤثل : مجموع ذو أصل وأساس .
وفي نهج البلاغة : « فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل ، ولا لعظيم باطل فعّل » .
( 15 ) التبعات : ما يتبع الأعمال السيئة من العقاب وسوء العاقبة .