القشيريّين [ 1 ] عن أبيه قال :
مررت بالمجنون وهو مشرف على واد في أيام الربيع ، وذاك قبل أن يختلط ، وهو يتغنّى بشعر لم أفهمه ، فصحت به : يا قيس ، أما تشغلك ليلى عن الغناء والطرب ! فتنفّس تنفّسا ظننت أنّ حيازيمه [ 2 ] قد انقدّت ، ثم قال :
صوت
وما أشرف الأيفاع [ 3 ] إلا صبابة
ولا أنشد الأشعار إلا تداويا
وقد يجمع اللَّه الشتيتين بعد ما
يظنّان جهد [ 4 ] الظنّ أن لا تلاقيا
لحي [ 5 ] اللَّه أقواما يقولون إنّني
وجدت [ 6 ] طوال الدّهر للحبّ شافيا
التقاؤه بقيس بن ذريح وطلبه منه إبلاغ سلامه لليلى
/ أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكَّار قال حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال : اجتاز قيس بن ذريح بالمجنون وهو جالس وحده في نادي قومه ، وكان / كلّ واحد منهما مشتاقا إلى لقاء الآخر ، وكان المجنون قبل توحّشه لا يجلس إلا منفردا ولا يحدّث أحدا ولا يردّ على متكلَّم جوابا ولا على مسلَّم سلاما ، فسلَّم عليه قيس بن ذريح فلم يردّ عليه السّلام ؛ فقال له : يا أخي أنا قيس بن ذريح فوثب إليه فعانقه وقال : مرحبا بك يا أخي ، أنا واللَّه مذهوب [ بي ] [ 7 ] مشترك اللَّب فلا تلمني ، فتحدّثا ساعة وتشاكيا وبكيا ، ثم قال له المجنون : يا أخي ، إنّ حيّ ليلى منا قريب ، فهل لك أن تمضي إليها فتبلَّغها عني السلام ؟ فقال له : أفعل . فمضى قيس بن ذريح حتى أتى ليلى فسلَّم وانتسب ؛ فقالت له : حيّاك اللَّه ، ألك حاجة ؟ قال : نعم ، ابن عمّك أرسلني إليك بالسلام ؛ فأطرقت ثم قالت :
ما كنت أهلا للتحيّة لو علمت أنك رسوله ، قل له عنّي : أرأيت قولك :
أبت ليلة بالغيل [ 8 ] يا أمّ مالك
لكم غير حب صادق ليس يكذب
ألا إنما أبقيت يا أمّ مالك
صدى [ 9 ] أينما تذهب به الريح يذهب [ 10 ]
أخبرني عن ليلة الغيل ، أيّ ليلة هي ؟ وهل خلوت معك في الغيل أو غيره ليلا أو نهارا ؟ فقال لها قيس : يا بنة عمّ ، إن الناس تأوّلوا كلامه على غير ما أراد ، فلا تكوني مثلهم ، إنما أخبر أنه رآك ليلة الغيل فذهبت بقلبه ، لا أنه عناك بسوء ؛ قال : فأطرقت طويلا ودموعها تجري وهي تكفكفها ، ثم انتحبت حتى قلت تقطَّعت حيازيمها ، ثم قال : اقرأ
هامش
[ 1 ] في ت : « القرشيين » .
[ 2 ] الحيازيم : ضلوع الفؤاد . وفي ت : « قد انصدعت » .
[ 3 ] الأيفاع : جمع يفع واليفع كاليفاع : ما أشرف وعلا من الرمل .
[ 4 ] كذا في أغلب النسخ . والجهد : الغاية . وفي ت و « تزيين الأسواق » و « الديوان » : « كلّ الظنّ » .
[ 5 ] يقال لحاه اللَّه : قبحه ولعنه وأبعده .
[ 6 ] كذا في أغلب النسخ . وفي ت و « تزيين الأسواق » و « الديوان » « إننا وجدنا » .
[ 7 ] زيادة في ت .
[ 8 ] الغيل بالفتح ثم السكون : اسم واد لبني جعدة .
[ 9 ] انظر الكلام على معنى الصدى فيما تقدّم في ص 19 حاشية رقم 9 من هذا الجزء .
[ 10 ] في هذين البيتين أقواء لاختلافها بحركة الرويّ ضما وكسرا وقد ورد هذا البيت الأخير في جملة أبيات مكسورة الرويّ في ص 19 من هذا الجزء .