فسلَّم فردّت عليه السّلام وتحفّت في المسئلة [ 1 ] ، وجلس إليها فحادثته وحادثها فأكثرا ، وكلّ واحد منهما مقبل على / صاحبه معجب به ، فلم يزالا كذلك حتى أمسيا ، فانصرف إلى أهله فبات بأطول ليلة شوقا إليها ، حتى إذا أصبح عاد إليها فلم يزل عندها حتى أمسى ، ثم انصرف إلى أهله فبات بأطول من ليلته الأولى واجتهد أن يغمض فلم يقدر على ذلك ، فأنشأ يقول :
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا
لي الليل هزّتني إليك المضاجع
أقضّي نهاري بالحديث وبالمنى
ويجمعني والهمّ بالليل جامع
لقد ثبتت في القلب منك محبّة
كما ثبتت في الراحتين الأصابع [ 2 ]
- عروضه من الطويل ، والغناء لإبراهيم الموصليّ رمل بالوسطى عن عمرو - قال : وأدام زيارتها وترك من يأتيه فيتحدّث إليه غيرها ، وكان يأتيها في كلّ يوم فلا يزال عندها نهاره أجمع حتى إذا أمسى انصرف ، فخرج ذات يوم يريد زيارتها فلما قرب من منزلها لقيته جارية عسراء [ 3 ] فتطير منها ، وأنشأ يقول :
وكيف يرجّى وصل ليلى وقد جرى
بجدّ [ 4 ] القوى والوصل أعسر حاسر [ 5 ]
صديع [ 6 ] العصا صعب المرام إذا انتحى [ 7 ]
لوصل امرئ جدّت عليه الأواصر [ 8 ]
/ ثم سار إليها في غد فحدّثها بقصته وطيرته ممن لقيه ، وأنه يخاف تغيّر عهدها وانتكاثه وبكى ، فقالت :
لا ترع [ 9 ] ، حاش للَّه من تغيّر عهدي ، لا يكون واللَّه ذلك أبدا إن شاء اللَّه ، فلم يزل عندها يحادثها [ 10 ] بقية يومه ، ووقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه ، فجاءها يوما كما كان يجيء ، وأقبل يحدّثها فأعرضت عنه ، وأقبلت على غيره بحديثها ، تريد بذلك محنته وأن تعلم ما في قلبه ، فلما رأى ذلك جزع جزعا شديدا حتى بان في وجهه وعرف فيه ، فلما خافت عليه أقبلت عليه كالمسرّة إليه فقالت :
كلانا مظهر للناس بغضا
وكلّ عند صاحبه مكين
فسرّيّ [ 11 ] عنه وعلم ما في قلبها ، فقالت له : إنما أردت أن أمتحنك والذي لك عندي أكثر من الذي لي
هامش
[ 1 ] كذا في ت . وفي ح : « أحفت المسألة » ومعناهما بالغت في ملاطفته والسؤال عنه . وفي بقية النسخ : « أخفت المسألة » بالخاء المعجمة وهو تحريف .
[ 2 ] ستأتي هذه الأبيات في قصيدة منسوبة إلى قيس بن ذريح بالجزء الثامن من « الأغاني » طبع بولاق .
[ 3 ] أن شؤم .
[ 4 ] الجدّ : القطع . والقوى : جمع قوّة وهي الطاقة الواحدة من طاقات الحبل .
[ 5 ] الحاسر : الكاشف يوصف به الرجل والمرأة ، يقال : امرأة حاسر بغيرها . إذا حسرت عنها درعها ، وكل مكشوفة الرأس والذراعين :
حاسر .
[ 6 ] من الصدع بمعنى الشق وهو كناية عن الفراق . قال أبو الهيثم : العصا تضرب مثلا للاجتماع ويضرب انشقاقها مثلا للافتراق الذي لا يكون بعده اجتماع ، وذلك لأنها لا تدعى عصا إذا انشقت ( انظر « لسان العرب » مادّة صدع ) .
[ 7 ] انتحى : قصد .
[ 8 ] الأواصر : جمع آصرة وهي ما عطفك على رجل من رحم أو قرابة أو صهر أو معروف .
[ 9 ] لا ترع : لا تخف ولا يلحقك فزع .
[ 10 ] كذا في ت . وفي سائر النسخ : « يحدّثها » .
[ 11 ] أي انجلى همه وانكشف .