فقصر شقران صاغرا ، ثم أنشدته ، فأقيمت الشعراء جميعا غيري ، وأمر لي بمائة لقحة وفحلها وراعيها وجارية بكر وفرس عتيق [ 1 ] فاختلت ذلك اليوم وقلت :
أعطيتني مائة صفرا مدامعها [ 2 ]
كالنخل زيّن أعلى نبته الشّرب [ 3 ]
ويروى :
كأنها النخل روّى نبتها الشّرب [ 4 ]
/ يسوقها يافع جعد مفارقه
مثل الغراب غذاه الصّرّ والحلب
وذا سبيب [ 5 ] صهيبيّا له عرف
وهامة ذات فرق نابها [ 6 ] صخب
ولم يذكر الزّبير في خبره غير هذه الأبيات الثلاثة ، وهي من قصيدة للرّمّاح طويلة يمدح فيها الوليد بن يزيد ، وقد أجاد فيها وأحسن ؛ وذكرت من مختارها هاهنا طرفا ، وأوّلها :
هل تعرف الدار بالعلياء غيّرها
سافي الرّياح ومستنّ [ 7 ] له طنب
دار لبيضاء مسودّ مسائحها
كأنّها ظبية ترعى وتنتصب
المسائح : ما بين الأذن إلى الحاجب من الشّعر : تقف إذا ارتاعت منتصبة تتوجّس [ 8 ] .
تحنو لأكحل ألقته بمضيعة
فقلبها شفقا من حوله يجب [ 9 ]
يقول فيها :
يا أطيب الناس ريقا بعد هجعتها
وأملح الناس عينا حين تنتقب
ليست تجود بنيل حين أسألها
ولست عند خلاء اللَّهو أغتصب
في مرفقيها إذا ما عونقت جمم [ 10 ]
على الضّجيع وفي أنيابها شنب
وليلة ذات أهوال كواكبها
مثل القناديل فيها الزّيت والعطب [ 11 ]
هامش
[ 1 ] في ط : « عربيّ » .
[ 2 ] مدامعها : مآقيها وفي أطراف العين . ولعل مسايل الدمع من الناقة تصفرّ إذا رعت ما يخضر من الشجر . وقد نقل صاحب « اللسان » في مادة « صفر » عن أبي حنيفة « أن الماشية تصفرّ إذا رعت ما يخضرّ من الشجر تروي مغابنها ومشافرها وأوبارها صفرا » .
[ 3 ] جمع شربة وهي ما يحفر حول النخلة والشجرة كالحويض ويملأ ماء فتتروّى منه .
[ 4 ] تكلم صاحب « اللسان » في مادة « شرب » عن الشرب ، ثم قال : وأنشد ابن الأعرابي :مثل النخيل يروّي فرعها الشرب[ 5 ] السبيب هنا : شعر الذنب والناصية .
[ 6 ] في أ « ما بها صخب » .
[ 7 ] يقال : استن المطر ، أي انصب ، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة :قد جرّت الريح بها ذيلها
وأستن في أطلالها الوابل[ 8 ] كذا في ط وتتوجس : تسمع وهي خائفة . وفي باقي الأصول : « تتوحش » .
[ 9 ] يجب : يخفق ويضطرب .
[ 10 ] الجم : كثرة اللحم .
[ 11 ] العطب بضمة وبضمتين : القطن واحدة عطبة ، ويريد هنا ذبالة المصباح التي تتخذ من القطن .