وعاصرناه بالنجف أيّام إقامتنا هناك ، وكانت داره مجمع الفضلاء والأدباء ، تلقى فيها المحاضرات ، وينشد فيها الشعر ، ومجلسه ملتقط الفوائد والفرائد ، وهو واسطة القلادة وموضع الإفادة ، والمهابة تعلوه ، والجلالة رداؤه ، والرقّة تتقاطر من ألفاظه . كان عالماً فاضلًا فقيهاً أديباً شاعراً بليغاً ، من الحفّاظ ، كريم الأخلاق ، جهبذاً مهيباً .
ثمّ أورد من نثره البديع ، إلى أن قال : ومن شعره قوله :
نثرن نظيم الدمع لا اللؤلؤ الرطبا * عيونٌ بغير النجم لم تعقد الهدبا
تؤنّبني حتّى تركن جوانحي * لتضعف عن خدش النسيم أذاهبا
وما خلت أنّ البين أظفار غدره * تمزّق أحشائي وتستلب اللبّا
إلى أن سرت خوص الركاب نوافحاً * تؤمّ من الزوراء منهلها العذبا
تخبّ لفتّان اللحاظ مدعّج * لو اعترضت للعضب كهمت العضبا
متى هتفت ذات الجناح بسحره * تهيج مشوقاً لم يزل دنفاً صبّا
ربطت فؤادي بالدين وأنّه * لينزو وراء الركب يتبع الركبا
فيا لا جرى طير الفراق بينكم * ولا ذعر التوديع من حيّكم سربا
فإنّ بأكناف الغريين ثاوياً * على رمقٍ قد كاد يقضي بكم نحبا
تقلّبه أيدي الغرام وأنّه * على مثل أطراف القنا يطرح الجنبا
يهيم بمهضوم المخصّر أهيف * ولكن بماضي العزم يقتحم الصعبا
وتضعف عن حمل الرداء متونه * وبالهمّة القعساء يقتلع الهضبا
وقوله :
كلّما مرّ من صدودك يحلو * صلّ معنىً فالحبّ قطعٌ ووصل
لك في شرعة الهوى معجزات * هنّ في فترةٍ من الرسل رسل
آمنت فيك امّة العشق لكن * تحت داجٍ من ليل شعرك ضلّوا
قبلة العاشقين أنت ولكن * كلّ وجهٍ توجّهوا فليصلّوا
أنت معنى الجمال والكلّ وهم * ومن الوهم قولهم لك مثل
شرع عاشقوك فيك ولكن * أنا وحدي بعبئهم مستقلّ
لك في النيّرات أسنى ظهورٍ * وهي لولاك نورها مضمحلّ