فقلت للوجناء حين انبعثت * تطوي بنا طيّ الردى بيداءها
أيّة نعمى لك عندي لم يكن * شكري وإن ضاعفه كفاءها
بالعسكريين سمت لغايةٍ * عنها العقول انحسرت وراءها
وحلّقت بصاحب الأمر لما * طاولت الأرض به خضراءها
حتّى لودّت شهبها من شرقٍ * لو أنّها قد أصبحت حصباءها
دارة قدسٍ للهدى كم أشرقت * فيها بدورٌ زيّنت سماءها
أقمار رشدٍ صدّعت بنورها * من مدلهمّات العمى ظلماءها
يا جادها الغيث ملثّاً غدقاً * ولا طفت ريح الصبا أرجاءها
والبرق لا زال به عشيّه * يرضع أخلاف الحيا كباءها
ونسجت أيدي الربيع حللًا * للروض تكسو زهرها جرعاءها
فكم بها للحسن الفعل يدٌ * كلّ بني الدهر ارتدت نعماءها
يستقبل الوفد بوجهٍ بشره * منه الرياض اكتسبت بهاءها
ما اسودّ ليل الخطب إلّا وله * بنوره أبصرت اهتداءها
وخابطين جنّبتهم قصدهم * ظلماء قد غشتهم رداءها
في ليلةٍ ليلاء لو تسري بها * شمس النهار خبطت عشواءها
هداهم ضوء محيّاه الذي * منذ اكتست شهب السما لألاءها
فحطّت الرحل بخير من له * بنو الرجاء رحّلت أنضاءها
يبتكر المعروف في عصرٍ به * حتّى الغوادي أنكرت سخاءها
ما فاته من عدّةٍ فريضةٍ * وإن تكن نفلًا رأى قضاءها
من دوحة القدس التي قد وحّدت * قدحاً بسلسال الهدى نماءها
يا محرزاً للعلم أقصى غايةٍ * ما بلغت أهل النهى ابتداءها
صقلت مرآة العقول فرأت * بابن جلا في هديك انجلاءها
نصرت دين اللَّه في صوارم * للقول لا تمضي الظبا مضاءها
لا برحت فواصلًا تزهق من * حامية الزيغ بها حوباءها
يا صاح خذ حظّك منها نعماً * للَّه قد جلببنا آلاءها