بالعلوم الأدبية صرفاً ونحواً وميزاناً .
ولمّا قاربت الثلاث عشر فارقت منها ، وآلفت علم المعاني والبيان والفصول ، وآنست مقدّمة الأصول .
ولمّا راهقت التكليف أجاب والدي منادي الربّ ، ولم أبلغ بعد الحلم ، فانقلب الزمان عليّ ، وهجم الدهر الخوّان إليّ ، وبقيت في حجر والدتي مع الإخوة ، وأحاط إلينا الفقر والعسر ، وذهب عنّا اليسر ، فنحن في عويل ورحيل من قرية إلى قرية ، وناحية إلى ناحية ، فسنة نسكن هذه وأخرى أخرى ، إلى أن مضت سنين ونحن في كدّ بلا يمين ، إذ الإخوة صغار وأصاغر ، وأنا مليس صفير من الصنائع والأضافر ، فبقيت بتعريق الجبين من الانفعال عنهم في ضيق وأنين .
فبعد ما أحاطتني الهموم ، وحصرتني الغموم ، أمرتني والدتي بالهجرة إلى قزوين لتحصيل علوم الدين ، وعاهدتني بعيلولة العيال في جميع الأحوال مع اليسر والعافية ، أو عسر وخافية .
فشددت رحلًا بلا راحلة ، وألزمت الطريق بلا غايلة ، فلمّا وصلت القزوين سكنت مدرسة تسمّى ب « الپيغمبرية » واشتغلت بقراءة المعالم في الأصول ، والروضة في الفروع ، وباحثت في المقدّمات نحواً وميزاناً وبياناً باستغراق الزمان ليلًا ونهاراً ، فاتّفق ارتحال السلطان محمّد شاه .
ولمّا يمض منذ ستّة أشهر من إقامتي ، فتشتّت شمل أهالي البلدة ، وانقلبت حالاتهم ، وارتفعت تسعيراتهم ، بحيث لم يمكن لي الإقامة ، وذهبت عنّي الاستقامة ، فراجعت إلى الوطن مع التأوّه والحسرة .
فبعد ما لاقتني والدتي لامتني أشدّ اللوم ، فعرضتني الندامة ، وعرقتني الملامة ، فما مكثت إلّا أيّاماً قلائل حتّى قهرتني إلى الرجوع بالدلائل .
مرآة المراد في تحقيق مشتبهات رجال الأسناد — صفحة 4
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٤