وفاة ابن سريج في خلافة سليمان بن عبد الملك أو في آخر خلافة الوليد
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال :
قال ابن مقمّة : دخلت على ابن سريج في مرضه الذي مات فيه ، فقلت : كيف أصبحت يا أبا يحيى ؟ فقال :
أصبحت واللَّه كما قال الشاعر :
/ كأنّي من تذكَّر ما ألاقي
إذا ما أظلم الليل البهيم
سقيم ملّ منه أقربوه [ 1 ]
وأسلمه المداوي والحميم
ثم مات .
قال إسحاق : قال ابن مقمّة : لمّا احتضر ابن سريج نظر إلى ابنته تبكي فبكى ، وقال : إنّ من أكبر همّي أنت ، وأخشى أن تضيعي بعدي . فقالت : لا تخف ؛ فما غنّيت شيئا إلا وأنا أغنّيه . فقال : هاتي . فاندفعت تغنّي أصواتا وهو مصغ إليها ، فقال : قد أصبت ما في نفسي ، وهوّنت عليّ أمرك . ثم دعا سعيد بن مسعود الهذليّ فزوّجه إيّاها ؛ فأخذ عنها أكثر غناء أبيها وانتحله ؛ فهو الآن ينسب إليه . قال إسحاق : فقال كثير بن كثير [ 2 ] السّهمي يرثيه :
ما اللهو بعد عبيد حين يخبره
من كان يلهو به منه بمطَّلب
للَّه قبر عبيد ما تضمّن من
لذاذة العيش والإحسان والطرب
لولا الغريض ففيه من شمائله [ 3 ]
مشابه [ 4 ] لم أكن فيها بذي أرب
قال إسحاق : وحدّثني هشام بن المريّة أنّ قادما قدم المدينة فسارّ معبدا بشيء ، فقال معبد : أصبحت أحسن الناس غناء . فقلنا : أو لم تكن كذلك ؟ فقال : ألا تدرون ما أخبرني به هذا ؟ قالوا لا . قال : أعلمني أن عبيد بن سريج مات ، ولم أكن أحسن الناس غناء وهو حيّ . وفي ابن سريج يقول عمر بن أبي ربيعة :
صوت
قالت وعيناها تجودانها
صوحبت واللَّه لك الرّاعي
يا بن سريج لا تذع سرّنا
قد كنت عندي غير مذياع
غنّى فيه ابن سريج من راوية يونس .
هامش
- أن يكون ابن سريج ، قالوا : هو هو . قال : أدخلوه فأدخل ، فأمره بإعادة الصوت فأعاده . فقال : خذ البدرة ، وأمر للمغنين بأخرى « .
وظاهر أن هذه الجملة إنما يناسب أن تكون بعد قوله : وغنى :سرى همى وهم المرء يسرىولا حاجة إذا إلى قوله فيما مضى : فأمر سليمان بدفع البدرة إليه « .
[ 1 ] في « خزانة الأدب » للبغدادي : سليم بان عنه أقربوه
[ 2 ] في ح ، ر : « كثير بن أبي كثير » .
[ 3 ] كذا في ت ، ح ، ر . وفي سائر النسخ: « ففيه من مشابهة
شمائل «.
[ 4 ] يقال : فيه مشابه من فلان أي أشباه ( أشياء يتشابهان فيها ) ولم يقولوا في واحدته مشبهة وقد كان قياسه ذلك ، ولكنهم استغنوا بشبه عنه ؛ فهو من باب ملامح ومحاسن ومساوىء ومقابح واحدها لمحة وحسن وسوء وقبح ، استغنوا بها عن لفظ واحدها .