بكاها وما يدري سوى الظَّنّ من بكى
أحيا يبكَّى [ 1 ] أم ترابا وأعظما
فدعها وأخلف للخليفة مدحة
تزل عنك بؤس أو تفيدك [ 2 ] أنعما
فإنّ بكفّيه مفاتيح رحمة
وغيث حيا يحيا به الناس مرهما [ 3 ]
إمام أتاه الملك عفوا ولم يثب
على ملكه مالا حراما ولا دما
تخيّره ربّ العباد لخلقه
وليّا وكان اللَّه بالناس أعلما
فلمّا قضاه [ 4 ] اللَّه لم يدع مسلما
لبيعته إلَّا أجاب وسلَّما
ينال الغنى والعزّ من نال ودّه
ويرهب موتا عاجلا من تشأَّما [ 5 ]
فقال الوليد : أحسنت واللَّه وأحسن الأحوص ! عليّ بالأحوص . ثم قال : يا عبيد هيه ! فغنّاه بشعر عديّ بن الرّقاع العامليّ يمدح الوليد :
صوت
طار الكرى وألمّ [ 6 ] الهمّ فاكتنعا [ 7 ]
وحيل بيني وبين النّوم فامتنعا
كان الشّباب قناعا أستكنّ به
وأستظلّ زمانا ثمّت انقشعا
فاستبدل الرأس شيبا بعد داجية
فينانة [ 8 ] ما ترى في صدغها نزعا [ 9 ]
فإن تكن ميعة [ 10 ] من باطل ذهبت
وأعقب اللَّه بعد الصّبوة الورعا
فقد أبيت أراعي الخود [ 11 ] راقدة
على الوسائد مسرورا بها ولعا
برّاقة الثّغر تشفي القلب لذّتها
إذا مقبّلها في ريقها كرعا [ 12 ]
كالأقحوان بضاحي الرّوض صبّحه
غيث أرشّ بتنضاح [ 13 ] وما نقعا [ 14 ]
هامش
[ 1 ] بكاه بكاء بالتخفيف وبكاه بالتشديد ، كلاهما بكى عليه ورثاه .
[ 2 ] رفع الفعل هنا على توهم أن الأوّل مرفوع كأنه قيل : تزيل عنك بؤسي أو تفيدك أنعما ، أو على أنه مستأنف كأنه قيل أو هي تفيدك أنعما . انظر « كتاب سيبوية » طبع المطبعة الأميرية ج 1 ص 429 و « المغني » مع حاشية الأمير ( ج 2 ص 197 - 198 )
[ 3 ] أرهمت السماء : أتت بالرّهام جمع رهمة ، وهي المطر الضعيف الدائم .
[ 4 ] في ت : « ارتضاه » .
[ 5 ] تشأم بمعنى تشاءم .
[ 6 ] ألم : نزل .
[ 7 ] اكتنع : دنا وحضر .
[ 8 ] فينانة : حسنة الشعر طويلته .
[ 9 ] النزع : انحسار مقدّم شعر الرأس عن جانبي الجبهة .
[ 10 ] ميعة كل شيء : معظمه وحدّته .
[ 11 ] الخود : الفتاة الحسنة الخلق الشابة ما لم تصر نصفا .
[ 12 ] كرع في الماء ( كمنع وسمع ) كرعا وكروعا : تناوله بقيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء .
[ 13 ] التنضاح : من النضح وهو الرش . يريد أنه يبله بقليل من المطر .
[ 14 ] ما نقعا ، أي ما أروى .