وربما اعتذر بعض رؤسائهم - كأبيهاشم في الجامع الصغير - عن تخلّفهم عن ذلك الجيش ، بأنّ تجهيزه إيّاه لم يكن بوحي من اللَّه بل باجتهاده ، فجاز مخالفته فيه بعد موته ، بدليل إمساك اسامة عن المسير ، وقوله « لم أكن لأسأل عنك الركب » وتخلّف صنمي قريش عنه « 1 » .
وهو مردود بصريح قوله تعالى :
« وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى »
« 2 » على أنّ مخالفة هؤلاء له كيف يكون دليلًا على جواز مخالفته ؟
وأيضاً مخالفتهم له كانت في حياته ، فلو كانت دليلًا على ذلك لجواز مخالفته في حياته وبعد موته ، فأيّ وقت يجب القبول منه ؟ وفيه من تجويز الخطأ عليه ما هو قذف بالنسبة إليه ، وما هو بأدون من سبّ الكفّار له .
ولا يبعد ذلك من قوم يجعلون لخطأ فقهائهم أجراً ، ويقولون : إذا وقع من الرسول ما ظاهره الخطأ عفى اللَّه عنه ، فيجعلون رتبته أدنى من رتبتهم ، ويلتزمون بالطعن عليه ، ولا يلتزمون بالطعن على عمر لمخالفته النبي صلى الله عليه وآله في تخلّفه عن جيش اسامة لغدر أضمره .
والذي يؤكّد ما قلناه من أنّه هو الذي منعه من الكتاب ، ما رواه الحميدي عن جابر ، قال : دعا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بصحيفة عند موته ، فأراد أن يكتب لهم كتاباً لا يضلّون بعده ، فكثر اللغط ، وتكلّم عمر ، فرفضها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله « 3 » .
هامش
( 1 ) الطرائف للسيد ابن طاووس ص 449 عن الجامع الصغير لأبيهاشم المعتزلي .
( 2 ) سورة النجم : 3 - 4 .
( 3 ) مسند أحمد بن حنبل 3 : 346 ، صحيح مسلم 3 : 1259 ، صحيح البخاري 1 : 37 ، الطرائف ص 431 - 432 .