قال محمّد بن جبير : وقفت تلك العشية إلى جنب محمّد ابن الحنفية ، فلمّا غابت الشمس التفت إليّ ، فقال : يا أبا سعيد ادفع ، فدفع ودفعت معه ، فكان أوّل من دفع .
ثمّ قال : لمّا فتن عبداللَّه بن الزبير أرسل إلى من كان بحضرته من بني هاشم ، فجمعهم في شعب أبي طالب وأراد أن يحرقهم بالنار ، فبلغ ذلك ناساً من أهل الكوفة ، فخرجوا ينصرونهم حتّى إذا كانوا ببعض الطريق إلى ابن الحنفية ، سمعوا هاتفاً يقول :
يا أيّها الركب إلى المهدي * على عناجيج من المطيّ
أعناقها كالقضب الخطّيّ * لتنصروا عاقبة النبيّ
محمّداً خير بني علي
فدخلوا على محمّد ابن الحنفية ، فأخبروه بما سمعوا من الهاتف ، فقال : ذلك بعض مسلمي الجنّ .
ولمّا قدم المختار مكّة كان أشدّ الناس على ابن الزبير ، وجعل يلقي إلى الناس أنّ ابن الزبير كان يطلب هذا الأمر لابن الحنفية ثمّ ظلمه إيّاه ، وجعل يذكر ابن الحنفية وورعه وحاله ، وأنّه بعثه إلى الكوفة يدعو له ، وأنّه كتب له كتاباً فهو لا يعدوه إلى غيره ، ويقرأ ذلك الكتاب على من يثق به ، وجعل يدعو الناس إلى البيعة لمحمّد ابن الحنفية ، فيبايعونه له سرّاً ، فسئل قوم ممّن بايعه في أمره ، وقالوا : أعطانا هذا الرجل عهودنا أن زعم أنّه رسول ابن الحنفية ، وابن الحنفية بمكّة ليس منّا ببعيد ولا مستتر ، فلو شخص منّا قوم إليه فسألوه عمّا جاءنا به هذا الرجل ، فإن كان صادقاً نصرناه وأعنّا على أمره .
فشخص منهم قوم ، فلقوا ابن الحنفية بمكّة ، فأعلموه أمر المختار وما دعاهم إليه ، فقال :
نحن حيث ترون محبسون ، وما أحبّ أن لي سلطان الدنيا بقتل مؤمن بغير حقّ ، ولوددت أنّ اللَّه انتصر لنا ممّن شاء من خلقه ، فاحذروا الكذّابين ، وانظروا لأنفسكم ودينكم ، فانصرفوا على هذا .
وكان ابن الحنفية يكره أمر المختار وما يبلغه عنه ، ولا يحبّ كثيراً ممّا يأتي به ، وكان ابن عبّاس يقول : أصاب بثأرنا ووصلنا ، فكان يظهر الجميل فيه للعامّة ، فلمّا اتّسق الأمر للمختار كتب لمحمّد بن علي من المختار بن أبيعبيدة بثأر آل محمّد ، أمّا بعد : فإنّ اللَّه لن ينتقم من قوم حتّى يعذر إليهم ، وإنّ اللَّه قد أهلك الفسقة وأتباع الفسقة ، وقد بقيت بقايا فأرجو أن يلحق اللَّه آخرهم بأوّلهم .