فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ * وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
- إلى قوله -
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
تسع آيات من أوّلها .
ثمّ لمع بسيفه ، فأسمع الناس وكرّرها ، فقال الناس : من هذا الذي ينادي في الناس ؟
فقالوا : علي بن أبي طالب ، وقال من عرفه من الناس : هذا ابن عمّ محمّد ، وما كان ليجترىء على هذا غير عشيرة محمّد ، فأقام أيّام التشريق ثلاثة ينادي بذلك ، ويقرأ على الناس غدوة وعشية ، فناداه الناس من المشركين : أبلغ ابن عمّك أن ليس له عندنا إلّا ضرباً بالسيف وطعناً بالرماح .
ثمّ انصرف علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله يقصد في السير ، وأبطىء الوحي عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله في أمر علي عليه السلام وما كان منه ، فاغتمّ النبي صلى الله عليه وآله لذلك غمّاً شديداً حتّى رئي ذلك في وجهه ، وكفّ عن النساء من الهمّ والغمّ ، فقال بعضهم لبعض : لعلّه قد نعيت إليه نفسه ، أو عرض له مرض ، فقالوا لأبيذرّ : قد نعلم منزلتك من رسول اللّه صلى الله عليه وآله ، وقد ترى ما به ، فنحن نحبّ أن تعلم لنا أمره ، فسأل أبوذرّ النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك .
فقال النبي صلى الله عليه وآله : ما نعيت إليّ نفسي وإنّي لميت ، وما وجدت في امّتي إلّا خيراً ، وما بي من مرض ، ولكن من شدّة وجدي بعلي بن أبي طالب عليه السلام وإبطاء الوحي عنّي في أمره ، فإنّ اللّه عزّوجلّ قد أعطاني في علي تسع خصال ، ثلاثة لدنياي ، واثنتان لآخرتي ، واثنتان أنا منهما آمن ، واثنتان أنا منهما خائف ، وقد كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله إذا صلّى الغداة ، واستقبل القبلة بوجهه إلى طلوع الشمس يذكر اللّه عزّوجلّ ، ويتقدّم علي بن أبي طالب عليه السلام خلف النبي صلى الله عليه وآله ، ويستقبل الناس بوجهه ، فيستأذنون في حوائجهم ، وبذلك أمرهمرسولاللّه صلى الله عليه وآله .
فلمّا توجّه علي عليه السلام إلى ذلك الوجه لم يجعل رسول اللّه صلى الله عليه وآله مكان علي لأحد ، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله إذا صلّى وسلّم استقبل الناس بوجهه ، فأذن للناس ، فقام أبوذرّ ، فقال : يا رسول اللّه لي حاجة ، قال : انطلق في حاجتك ، فخرج أبوذرّ من المدينة يستقبل علي بن أبي طالب عليه السلام ، فلمّا كان ببعض الطريق إذا هو براكب مقبل على ناقته ، فإذا هو علي عليه السلام ، فاستقبله والتزمه وقبّله ، وقال : بأبي أنت وامّي اقصد في مسيرك حتّى أكون أنا الذي ابشّر رسول اللّه صلى الله عليه وآله ، فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله من أمرك في غمّ شديد وهمّ ، فقال له علي عليه السلام : نعم ، فانطلق أبوذرّ مسرعاً حتّى أتى النبي صلى الله عليه وآله ، فقال : البشرى ، قال : وما بشراك يا أباذرّ ؟ قال :
قدم علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقال له : لك بذلك الجنّة .