انقلعت بعروقها ، وجاءت ولها دويّ عظيم شديد ، وقصف كقصف « 1 » أجنحة الطير حتّى وقفت بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وألقت بعضها الأعلى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وبعض أغصانها على منكبي ، وكنت عن يمينه صلّى اللّه عليه واله ، فلمّا نظر القوم إلى ذلك قالوا علوّا واستكبارا : فمرها فليأتيك نصفها ويبقي نصفها ، فأمرها بذلك ، فأقبل اليه نصفها كأعجب اقبال وأشدّ دويّا ، وكادت تلف برسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، قالوا كفرا وعلوّا :
فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان ، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فرجع .
قلت أنا : لا اله الّا اللّه انّي أوّل مؤمن بك يا رسول اللّه ، وأوّل من آمن بأنّ الشجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه تصديقا لنبوّتك واجلالا لكلمتك ، فقال القوم كلّهم :
بل ساحر كذّاب عجيب السحر خفيف فيه ، وهل يصدّقك في أمرك الّا مثل هذا يعنوني .
وانّي لمن القوم الذين لا تأخذهم في اللّه لومة لائم ، سيماهم « 2 » سيماء الصدّيقين ، وكلامهم كلام الأبرار ، عمّار الليل ومنار النهار ، متمسّكون بحبل القرآن ، يحبّون سنن اللّه وسنن رسوله ، لا يستكبرون ولا يعلون ولا يفسدون قلوبهم في الجنان ، وأجسادهم في العمل « 3 » .
وأورده الحموي في فرائد السمطين أيضا عن سليم بن قيس الهلالي قال : رأيت
هامش
( 1 ) هذا الخطاب ونحوه من خطاب النباتيّات على حدّ خطاب العقلاء ، الظاهر أنّه مجاز باعتبار اجابته لدعوته كالعاقل ، ويجوز على رأي الأشعري أن يكون حقيقة حيث لا يجعلون الغيبة شرطا في الحياة وما يتعلّق بها من السمع والفهم .
وأمّا على رأي المعتزلة ، فقيل : الخطاب للّه ، فكأنّه قال : اللهمّ ان كنت صادقا في رسالتك فاجعل ما سألت من هذه الشجرة مصدّقا لي ، قاله الشيخ كمال الدين ميثم البحراني ( اختيار مصباح السالكين ص 466 ) أقول : ولا مانع من أن يكون الخطاب حقيقة عندنا ، كما بيّنّاه في محلّ أبسط « منه » .
( 2 ) السيمة والسيماء والسمة بكسرهنّ : العلامة . القاموس .
( 3 ) الطرائف ص 413 - 416 ، والخطبة القاصعة من نهج البلاغة برقم : 192 .