العلم وما علّمه اللّه من البيان .
حتّى أنّ شرف العالم إنّما هو بعلمه ، وإلّا فلا شرف له من حيث ذاته ، وإنّما صار الإنسان شريف الذات لما أودعه اللّه فيه من استعداده له ، فيظهر منه أن لا شرف له لذاته لولا استعداده للعلم .
ولهذا إذا أخلّ به وأخلد في الأرض واتّبع هواه ، صار كالأنعام بل أضلّ سبيلا ، ومعلوم أنّ ما به الشرف أشرف من الشريف ، وبه يمتاز عن سائر الحيوانات والبهائم ، وإلّا فإذا هو هي .
وقد قيل في وجه التناسب بين هذه الآيات :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
المشتمل بعضها على خلق الإنسان من علق ، وبعضها على تعليمه ما لم يعلم ، انّه صلّى اللّه عليه واله ذكر حال الإنسان وهو كونه علقة ، وهي بمكان من الخساسة ، وآخر حاله وهو صيرورته عالما ، وهو كمال الرفعة والجلالة .
فكأنّه سبحانه قال : كنت في أوّل أمرك في تلك المنزلة الخسيسة ، ثمّ صرت في آخره في هذه الدرجة الشريفة النفيسة ، ولعلّه لذلك كان علمه تعالى عين ذاته كي لا يلزم نقصه إذا قطع النظر عن علمه .
ولهذا السبب بعينه كان العالم بقدر علمه أشرف من الجاهل بقدر جهله ، وكان للمعلّم تقدّم بالشرف على متعلّمه ، وهما متماثلان نوعا .
وقد دلّ بعض الأفاضل المتأخّرين في صدر كتابه المعمول في الأصول بطريق عقلي على أنّ العلم أشرف من جميع المعقولات والموجودات ، وإن كان في استدلاله عليه على تقريره نظر وتأمّل .
وبالجملة لا شرف فوق شرف العلم ، فمن أوتي العلم فقد أوتي خيرا كثيرا ، ولذا