بحجّته حتّى أبان عن فضيحته ، فدخل على علي بن محمّد عليهما السّلام ، وفي صدر مجلسه دست عظيم منصوب ، وهو قاعد خارج الدست ، وبحضرته خلق من العلويين وبني هاشم ، فما زال يرفعه حتّى أجلسه في ذلك الدست وأقبل عليه ، فاشتدّ ذلك على أولئك الأشراف ، فأمّا العلويون فأجلوه من العتاب ، وأمّا الهاشميون فقال له شيخهم : يا بن رسول اللّه هكذا ترفع عاميا على سادات بني هاشم من الطالبيين والعبّاسيين .
فقال عليه السّلام : إيّاكم وأن تكونوا من الذين قال اللّه تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
« 1 » أفترضون بكتاب اللّه حكما ؟ قالوا : بلى ، قال : اللّه عزّ وجلّ قال :
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
« 2 » فكيف تنكرون رفعي لهذا لما رفعه اللّه ؟ إنّ كسر هذا لفلان الناصب بحجج اللّه التي علّمه إيّاها لأفضل له من كلّ شرف في النسب « 3 » .
وفي هذا الحديث شيء حذفناه ، وفي قوله عليه السّلام « لما رفعه اللّه » إشارة إلى قوله تعالى :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
« 4 » وإنّما اقتصر عليه السّلام على تشريف العلم وتفضيله على مجرّد الشرف في النسب ؛ لأنّ تفاضل المعاتبين وتفاخرهم كان فيه ، وإلّا فلا شرف ولا كمال للإنسان أشرف وأكمل من
هامش
( 1 ) سورة النساء : 6 .
( 2 ) سورة الزمر : 9 .
( 3 ) الاحتجاج 2 : 454 .
( 4 ) سورة المجادلة : 11 .