كان قد يستبعد في بادي النظر ، إلّا أنّه ليس كذلك ؛ إذ بعد ما ثبت بالعقل والنقل أنّ العقول كلّها مخلوقة من شعاع العقل الكلّي ، وجب أن يدلّ كلّ منها عليه ، ولا يكون نظرها حين كشف السبحات إلّا إليه ؛ إذ الشعاع حاك للمنير ومظهر لما فيه ومحلّ لإصابة خوافيه ، فإذا توجّه إليه عرفه بجمع أحواله وصفاته . وبتعبير آخر نقول : إنّ اللَّه تعالى لكمال صنعه كتب بقلم الاختراع في ألواح حقائق الخلق جميع ما أراد منهم من التكليفات أصليّة كانت أو فرعيّة ؛ لأنّها من مقتضيات الكينونات ، فمن عرف نفسه فقد عرف جميع مقتضياتها ؛ قال تعالى :
« سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ »
« 1 » ، وقال علي بن أبي طالب مظهر العجائب ومظهر الغرائب - صلوات اللَّه سلامه عليه - « 2 » :
دواؤك فيك وما تشعر * وداؤك منك وما تبصر « 3 »
فكلّما يراد منك من معرفة اللَّه والنبيّ والإمام عليهم السلام وغيرها كلّها مكتوبة « 4 » في لوح نفسك وحقيقتك الّتي هي رشح من طفحهم ومخلوقة من شعاعهم عليهم السلام مرآة حاكية لذلك ، وقد عرّفك اللَّه تعالى جلالة أمرهم وعظم خطرهم ، إلّا أنّك في سفرك إلى هذا العالم وإدبارِك عن مبدأ الأنوار نسيت ذلك ، وظلمات العلائق حجبتك عن إبصار ما هنالك ، فإن وقفت للصعود إلى مقامك الأعلى ، وصار بصرك حديداً بكشف الغطاء ، تجلّت أوائل جوهر عللك بجميع ما لها من حقيقتك ، فتراها فيك بالعيان ، وإلّا فالكشف عن الواقع لا يحصل بالدليل والبرهان ، وثمرة التعرّض في أمثال المقام
هامش
( 1 ) . سورة فصلّت ، الآية 53 .
( 2 ) . المثبت من « أ » ، وفي « ج » : وقال علي عليه السلام .
( 3 ) . تقدّم ذيل الحديث 6 من هذا الأربعين ، وفيه في آخر المصرع الأوّل « تبصر » وفي آخر المصرع الثاني : « تشعر » ، وقد ورد في المصادر بكلا النوعين . وبعد هذا البيت :وأنت الكتاب المبين الّذي * بأحرفه يظهر المضمر
وتزعم أنّك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر( 4 ) . المثبت من « أ » ، وفي « ج » : مكنونة .