ولمّا استحال ذلك بدون تعريف من يريده من البريّة ، اقتضت حكمته بعث الرسل ؛ لتعريف الإسلام ، وتبليغ الأحكام ، ممّا لم تدركه عقولهم من معرفة الحلال والحرام ، واقتضت حكمته الإلهيّة بقاء الشريعة المحمديّة الدائمة بدوام البريّة ، ولا سبيل إلى ذلك بدون نقل الأحكام من الثقات المرضيين من السلف إلى الباقين الآتين بعدهم من الخلف ، حثّ سبحانه في كتابه العزيز ، والذكر الحسن الوجيز ، الذي لا يأتيه
الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
، فقال عزّ وجلّ من قائل : «
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
» . 44
ولمّا كان معرفة الأحكام الشرعيّة ، ونقل الآثار النبويّة ، تعلم في الطبقة الأولى تارة بالقول مشافهة ، وتارة بالإفتاء ، وتارة بعمل من يجب الاقتداء به وأخرى بتقريره ، إلى غير ذلك من طرقه ، وكان الطريق إلى معرفتها بعد ذلك للمشايخ والرواة طرق :
منها : القراءة على الشيخ .
ومنها : سماع القراءة عليه .
ومنها : مكاتبته .
ومنها : إجازته من عدل إلى عدل إلى المصنّف بالرواية عنه .
ورواية الأخبار كذلك إلى المؤلّف لها بالرواية عنه ، واسنادها بالطريق الذي ذكره من صحيح ، وموثّق ، وحسن ، وغير ذلك . فما خلا عن معارض وجب العمل به ، وكذا إذا خلا عن معارض راجح أو مساو ، وإن حصل المعارض المساوي فمع الضرورة التخييرإن تعذّر التكرار أو أدّى إلى الحرج ، وفي غير ذلك الوقف أو التخيير ، كما حقّق في أصول الفقه .
ولمّا اقتضت الحكم الإلهيّة ، والبراهين العقليّة القطعيّة ، والأدلّة الصحيحة النقليّة ، بأنّ العلم أشرف من جميع المقتنيات ، وأعظم نفعا من جميع المدّخرات ، كان من الواجب على ذوي العقول من كلّ ذي عقل سديد ورأي رشيد ، وعقل سليم ، وطبع مستقيم ، أن
هامش
44 . التوبة 122 : 9