يأتي المسيّرين . وكتب إليهم : لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا ، فإنّ أهل المصر قد جامعونا . فانطلق الرجل ، فأتى عليهم وقد رجع الأشتر ؛ فدفع إليهم الكتاب ، فقالوا : ما اسمك ؟ قال : بغثر ؛ قالوا : ممّن ؟ قال : من كلب ، قالوا : سبع ذليل يبغثر النفوس ؛ لا حاجة لنا بك . وخالفهم الأشتر ، ورجع عاصيا ، فلمّا خرج قال أصحابه : أخرجنا أخرجه اللّه ؛ لا نجد بدا ممّا صنع ؛ إن علم بنا عبد الرحمن لم يصدقنا ولم يستقلّها ، فاتّبعوه فلم يلحقوه ؛ وبلغ عبد الرحمن أنّهم قد رحلوا فطلبهم في السواد ، فسار الأشتر سبعا والقوم عشرا ، فلم يفجإ الناس في يوم جمعة إلّا والأشتر على باب المسجد يقول : أيّها الناس ؛ إنّي قد جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان ، وتركت سعيدا يريده على نقصان نسائكم إلى « 1 » مائة درهم . وردّ أهل البلاء منكم إلى ألفين ، ويقول : ما بال أشراف النساء ؛ وهذه العلاوة بين هذين العدلين ! ويزعم أنّ فيئكم بستان قريش ؛ وقد سايرته مرحلة ، فما زال يرجز بذلك حتّى فارقته ؛ يقول :
ويل لأشراف النساء منّي * صمحمح « 2 » كأنّني من جنّ
فاستخفّ الناس ، وجعل أهل الحجى ينهونه فلا يسمع منهم ، وكانت نفجة « 3 » ، فخرج يزيد ، وأمر مناديا ينادي : من شاء أن يلحق بيزيد بن قيس لردّ سعيد وطلب أمير غيره فليفعل . وبقي حلماء الناس وأشرافهم ووجوهم في المسجد وذهب من سواهم وعمرو بن حريث يومئذ الخليفة ، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه وقال : اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعدآء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ، بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها فلا تعودوا في شرّ قد استنقذكم اللّه عزّ وجلّ منه . أبعد الاسلام وهديه وسنّته
هامش
( 1 ) - ابن الأثير والنويري : « على » .
( 2 ) - الصمحمح من الرجال : الشديد المجتمع .
( 3 ) - يريد بالنفجة هنا الضجة ، انظر الفائق 3 : 120 .