أمير المؤمنين .
تلكم أيها السادة أسرار العلائق بين ذينك الرجلين ، ولكنها إلى الآن علائق نفعية ، فلننظر كيف تطورت مرة خامسة فأصبحت مودة وثيقة تساور لفائف القلوب .
أيها السادة : لا تسألوا عن الصابي الذي كان يشجع الشريف على مطامعه السياسية ، فتلك شؤون كان الرجلان يروضانها في الخفاء ، وقد مرت أعوام وأعوام وبغداد بين مد وجزر ، وأرض العراق معسكرات يتداولها المحاربون بين يوم ويوم ، فكان لا بد من التربص لتحقيق ذلك الأمل الخطير ، وهو لن يحقق برسالة يكتبها الصابي أو قصيدة ينظمها الشريف ، وإنما يحقق يوم تتم السيطرة لرجل واحد من البويهيين يسهل معه الاتفاق ، ولكن متى يأتي ذلك اليوم إن انتظاره سيطول وفي انتظار اليوم الموعود يمضي الصديقان فيتساقيان كأس الوداد ، والظاهر أن نفس الشريف كان طال عهدها بالنفرة من الناس ، فما كاد يعرف الصابي حتى أقبل على محبته بقلب ملهوف .
ويظهر أيضا أن نفس الصابي كانت ملت الاتصال برجال السياسة الذين أزعجوا شبابه وكهولته بالتلون والتقلب ، فما كاد يتصل بالشريف حتى رأى فيه نفسا روحانية قد تستطيع تجديد نوره وهو يجنح راغما إلى الغروب .
وهنا نذكر أن شيخوخة الصابي اعتمدت على دعامتين من أكرم دعائم العطف ، الدعامة الأولى هي مودة الصاحب ابن عباد ، الرجل
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 49
مساهمون: زكي مبارك
ص٤٩