فيمكن القول بان المودة بينه وبين الشريف نشأت من التوافق في المذاهب الأدبية ، وذلك من أمتن الأسباب في الجمع بين قلوب الرجال ، ولكن يظهر أن التوافق الأدبي لم يكن كل شيء ، فقد كان الرجلان من جيلين مختلفين ، والألفة الذوقية توجب تقارب السن في أغلب الأحوال ، وكان هذان الرجلان متباعدين في السن حين جمع بينهما الصفاء ، فقد كان الشريف في مطلع العقد الثاني من عمره ، وكان الصابي في أواخر العقد الثامن ، وشعر الصابي نفسه يشهد بأنه كان يعظم الشريف قبل أوان التعظيم ، أي إنه كان يراه طفلا لولا الفراسة التي توحي بان سيكون هذا الطفل من عظماء الرجال ، إذ يقول :
أبا حسن لي في الرجال فراسة * تعودت منها أن تقول فتصدقا
وقد خبرتني عنك أنك ماجد * سترقى من العلياء ابعد مرتقى
فوفيتك التعظيم قبل أوانه * وقلت أطال اللَّه للسيد البقا
وأضمرت منه لفظة لم أبح بها * إلى أن أرى اطلاقها لي مطلقا
فان عشت أو إن متّ فاذكر بشارتي * وأوجب بها حقا عليك محققا
وكن لي في الأولاد والأهل حافظا * إذا ما اطمأنّ الجنب في موضع النقا
وهذه الأبيات تعطينا مفتاح السر لتلك العلائق ، فما هي البشارة التي يسجلها الصابي ليستقضي « حلاوتها » في مستقبل الزمان لننتظر قليلا حتى نسمع جواب الشريف :
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 45
مساهمون: زكي مبارك
ص٤٥