العراق يشهد بأن أهله كانوا من أقدر الناس على تحليل العواطف والأحاسيس ومؤلفات فلاسفته تنطق بأنهم كانوا من أشوق الناس إلى درس أصول الحب والبغض ، فمن العسير أن نصدق أن الرضي هجم على أخيه إلا بعد أن طفح الكيل ، وعز الوفاق . ولكن ما بالنا نشغل أنفسنا بهذه الدقائق النفسية يكفي أن نعرف أن الرضي عرف في حياته لونا أسود هو الاضطغان على الأخ الشقيق ، وأنه لم يرد ذلك المورد إلا وهو آسف محزون ، وقد نظم في ذلك قصيدة ضادية هي أعظم ما نظم في قافية الضاد . وقد تأثر بها الضادية التي اختارها أبو تمام في الحماسة ، فجاءت ضاديته أبلغ وأروع ، والشعراء يعدي بعضهم بعضا بالعواطف والأحاسيس ، ولننظر كيف يقول : رضيت من الأحباب دون الذي يرضى ودانيت من تقضى الديون ولا يقضي وقد أنهرت فيّ الليالي جراحها مرارا وأنضاني من الهم ما ينضى ( 1 ) طوى الدهر أسباب الهوى عن جوانحي وحل الصبا عقد الرحائل عن نقضي ( 2 ) ولم يبق لي في الأعين النجل طربة ولا أرب عند الشباب الذي يمضي ضحا اليوم عن ظل الشبيبة مفرقي وأبدل مسودّ العذار بمبيض ( 3 )
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 25
مساهمون: زكي مبارك
ص٢٥
هامش
( 1 ) أنهر الجرح وسعه . وانضاه أهزله واضناه .
( 2 ) النقض بالكسر المهزول من السير .
( 3 ) ضحا : برز للشمس ، والمفرق بفتح الراء وكسرها وسط الرأس وهو الذي يفرق منه الشر .