القطر قد عرف أيّ شكل من أشكال الحكم غير ما يفرضه الولاء للقبيلة .
ثم إنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله قبل البعثة لم يساهم في أي لون من ألوان النشاط الثقافي الذي كان شائعاً آنذاك من شعر وخطابة ، نعم عرف عنه أنه ملتزم بمكارم الأخلاق كالأمانة والنزاهة والصدق والعفة ، وقد عاش أربعين سنة في قومه لم يعرف عنه إلّاهذا .
وجاء القرآن الكريم الذي شمل القيم والمثل والثقافة والتشريعات الإلهية التي هي أكبر من كل التشريعات الدينية وغيرها التي عرفها العالَم ، فحرّم الربا والاحتكار والاستغلال وأعلن :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
« 1 » في مجتمع يوالي القبيلة لا غير ، وتحدى كل البشر على أن يأتوا بسورة من هذا النصّ الإلهي ( القرآن ) وأعلن لهم أنهم لم ولن يتمكنوا أبداً ، قال تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ
« 2 » وقال تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
« 3 » .
وقال تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 4 » .
بل في هذا القرآن من التصحيح للثقافات السابقة ، وجعل الفرد المختار الذي يسعى لمصلحته الذاتية متفانياً في مصلحة الجماعة التي تتناقض مع مصلحة الفرد ، وذلك يفتح نافذة على عالم الآخرة ( وهي ساحة العدل والجزاء التي يُحشر الناس فيها ليروا أعمالهم ) :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ
هامش
( 1 ) الحجرات : 13 .
( 2 ) هود : 13 .
( 3 ) البقرة : 23 .
( 4 ) الإسراء : 88 .