وحقّاً إنّ هذه الشريعة السامية الإسلامية جاءت بالسلام العامّ لكافّة الأنام ، وكانت حناناً ورحمة عامّة لعامّة العالمين ، فلتحيا هذه الشريعة إلى يوم الدين .
وبعد هذا ، فلا أظنّ أنّ أحداً من الأُمّة المسيحية يذكر هذا النبي البرّ الكريم إلّا بكلّ تبجيل وتجليل واحترام وتعظيم ، كما لا يزال كذلك دأب الراسخين منهم في العلم :
« ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ »
« 1 » عن قول الحقّ وكلمة الصدق .
أفتنسى النصارى قول هذا الفرقان الحكيم :
« لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ »
« 2 » ؟ !
أو تنسى قول ذلك النبي البرّ : « من آذى ذمّياً فأنا خصمه يوم القيامة » « 3 » ؟ !
إلى كثير من أمثال ذلك ممّا لا يتّسع المجال لإحصائه .
وحقاً أقول : إنّ الجهابذة منهم والأساتذة المتضلّعين في العلوم ما جهلوا ذلك ، ولا نسوه ولا تناسوه ، وقد قدّروا هذا النبي الأمين قدره ، وعرفوا شرف ما جاء به ، وإن لم تؤمن به ألسنتهم فقد آمنت به قلوبهم .
نعم ، وعلى رغم الوفاء ورغمهم وبالعزيز علينا وعليهم أنّ بعض أهل الغرارة والجهل منهم - وما أكثر ما يتّفق مثلهم في كلّ أُمّة وملّة - قد انخدعوا
هامش
( 1 ) سورة المائدة 5 : 82 .
( 2 ) سورة الممتحنة 60 : 8 .
( 3 ) لاحظ : تاريخ بغداد 8 : 370 ، الموضوعات لابن الجوزي 2 : 236 ، الجامع الصغير 2 : 158 ، اللآلئ المصنوعة 2 : 140 ، كشف الخفاء 2 : 285 .
وورد بصيغة : « من آذى ذمّياً فأنا خصمه ، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة » في : كنز العمّال 4 : 362 ، النوافح العطرة 343 .