منه هو والقرود ؟ !
تجهد العناية في إصلاحه على تعاليمها ومساعي المندوبين من سفرائها ، فينقسم ذلك التعيس على نفسه طائفتين : واحدة تكذّبهم جهاراً وتسومهم هوناً وصغاراً ، وذلّاً واحتقاراً ، وأُخرى تصدّقهم في ظاهر الحال ، ولكنّها تتلاعب بتعاليمهم تلاعب الصبية بالأُكر « 1 » أو الريح بأعالي الشجر ، حوّرت تلك الحقائق عن أُصولها إلى طبق أهوائها ، وأمّت بها إلى غايات أنفسها ، لا إلى جواهر غاياتها .
وهكذا فعل الإنسان ، وهكذا لا يزال يفعل !
الكاتب يكتب ، والمصلح يصرخ ، والناصح يصيح حتّى يبحّ ، أمّا البشر فكلّ واحد يسير على ما توحيه إليه آلهة طباعه وما يتنزّل عليه من سماء أهوائه !
كلّ يسير فيما يتيسّر له ، ويجري على ما يجرّ بزعمه منفعته ، سابح في غمرة ، صاح في سكرة ، ( لا يدري بما في الإنجيل ) « 2 » ولا بما في القرآن من عظة أو بيان :
أتلو صحائف وجنتيك وأنت في * سكر الصبا لم تدر بالإنجيل !
والغرض من كلّ هذه النفثات أنّ الشرّ قد تفاقم بين هاتين الأُمتين ، حتّى بلغ الحزام الطبيين « 3 » ، ولم يقصر الشغب والبلاء على الشتم والسباب في
هامش
( 1 ) الأُكر : الحُفر . ( صحاح اللغة 2 : 580 ) .
( 2 ) مثل في عرف أهل العراق ، يقولون : ( ما يدريك ما في الإنجيل ؟ ! ) ، ولا يخفى لطفه هنا . ( منه رحمه الله ) .
( 3 ) يضرب هذا المثل في تفاقم الأمر والكناية عن المبالغة في تجاوز حدّ الشرّ والأذى ؛ لأنّ الحزام إذا انتهى إلىالطُبيين ( حلمات الضرع ) فقد انتهى إلى أبعد غاياته ، فكيف إذا جاوزه ؟ !
لاحظ : جمهرة الأمثال 1 : 308 ، المستقصى في أمثال العرب 2 : 13 ، لسان العرب 8 : 126 .