هذه اليونانية والفارسية اللتان كانتا مهد العلوم في الغرب والشرق .
هذه الهندية والصينية ، هذه الرومانية والآرامية والقازانية والطورانية والأريانية .
انظر هل تجد في شيء منها لمحة من هذه العظمة والفخامة والعزّة والكرامة ؟ !
هل تجد أُمّة أُخرى سعت هذا السعي لترويج لغة غيرها وبذل تلك العناية الباهرة فيها .
أفليس هذه الجلية الباهرة والقضية الظاهرة والقصّة القاهرة من معجزات هذا القرآن الكريم والفرقان العظيم ؟ !
أليست هي إحدى أعلام نبوّته وإخباره عن الغيب ؟ !
أليست هي من أسرار كريمة قوله ( تعالى ) :
« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ »
« 1 » ؟ !
أليست هذه هي الدعوى التي ما انفكّ صكّ الليالي والأيّام وسجل الكون يملى على الملوين « 2 » دلائل صدقها وشواهد صحّتها ويجعلها من أجلى الحقائق الراهنة ، فترى الغريب والغربي والجنيب « 3 » والأجنبي يسعى في نشر موضوعاتها ويحتفل بمؤلّفاتها ، فهو عسيف « 4 » العربية من حيث يدري ولا يدري ، ومن العاملين عليها من حيث يعلم ولا يعلم ؟ !
وكان ذلك من أعظم عنايات اللَّه في دينه وأكبر نعمه على عباده ؛ فقد كانت هذه اللغة من أقوى العرى والروابط لحفظ الجامعة الإسلامية بين تلك الأُمم
هامش
( 1 ) سورة الحجر 15 : 9 .
( 2 ) المَلَوان : الليل والنهار ، أو طرفاهما . ( القاموس المحيط 4 : 394 ) .
( 3 ) جنب فلان في بني فلان : إذا نزل فيهم غريباً . ( تهذيب اللغة 11 : 82 - 83 ) .
( 4 ) العسيف : الأجير . ( صحاح اللغة 4 : 1404 ) .