إذاً فالبديع ساقط بالمرّة ، وليس بالبديع شرف الكلام وسموّ طبقاته وتمايز أنواعه ، فإنّه وإن كان له حظٌّ ، ولكنّما الملاك والجوهر في غيره .
كيف ! وهذا شيخ الصناعة ( أبو تمّام ) تراه إذا التزم أن يتنوّع في كلامه وينحو إلى صنعة البديع انحطّ في الأكثر وذهب رونق شعره .
كما تراه في قوله :
أيّام تدمي عينه تلكَ الدمى * فيها وتقمر لبَّهُ الأقمارُ
إذ لا صدوق ولا كنود « 1 » اسماهما * كالمعنيين ولا نوارُ نوارُ « 2 »
دون ما إذا رفض ذلك وأرسل نفسه على سجيتها وفكّها من أغلال الصناعة وقيودها .
كما تراه في قوله :
إنَّ عهداً لو تعلَمانِ ذميما * أن تنامَا عن ليلتي أو تُنيمَا
كنتُ أرعى البُدورَ حتّى إذا ما * فارقُوني أمسيتُ أرعى النجومَا « 3 »
إلى تمام الأبيات ، بل تمام القصيدة التي هي من جوهريات قصائده ، فراجع . نعم ، وليس كلّ مصنوع خيراً من مطبوع ، ولا كلّ بنات الطبيعة أبهج من منشئات الصناعة ، بل لكلٍّ مقام يحتاج تمييزه إلى ذهن ثاقب وفكرة نافذة وسبر ناقد وعمل طويل ليس بالسهل ولا بالقليل .
وكان بودّي أن استوسع البحث في هذا الموضوع حتّى أوفّيه حقّه بحيث
هامش
( 1 ) الكنود : الكفور للنعمة . ( العين للفراهيدي 5 : 331 ) .
( 2 ) لم أعثر عليهما في ديوانه المطبوع .
( 3 ) ديوان أبي تمّام 2 : 110 .