وممّا شجاني أنّها يومَ أعرضت * تولّت ودمعُ العينِ في الجفنِ حائر
فلمّا أعادت من بعيدٍ بنظرةٍ * إليَّ التفاتاً أسلمتهُ المحاجر « 1 »
أو قول ( البحتري ) بما يقرب منه :
وقفنَا والعيونُ مشغّلاتٌ * يُغالبُ دمعَها نظرٌ كليلُ
نهتْهُ رِقبةُ الواشينَ حتّى * تحيَّر لا يغيضُ ولا يَسيلُ « 2 »
أو قول القائل من الشعر الخيالي :
وقفنا صفوفاً في الديارِ كأنّها * صحائفٌ ملقاةٌ ونحن سطورُها
يقول خليلي - والظباء سوانح - * أهذي التي تهوى ؟ فقلت : نظيرُها
وقد قلتما لي ليس في الأرض جنّة * أما هذه فوقَ الركائبِ حورُها
أراك الحمى قل لي بأيّ وسيلة * توسّلت حتّى قبَّلتك ثغورُها
على رسلكم في الهجرِ إنّا عصابةٌ * إذا ظفرت بالحبِّ عفّ ضميرُها
هذه الفرائد وما لا يحصى من أمثالها - [ و ] التي هي مجسمة الانسجام والرقّة واللاتي تكافأت بها المعاني والألفاظ في السلاسة والسلامة فاتّحدت وحدة الأرواح مع الأجسام والراح بماء الغمام الذي ينفذ تأثيرها في أعماق القلب ويخرق شغاف الفؤاد - من ذا يسمعها فلا يضع يده على جنانه ، يتلمّسه هل زال عن موضعه وزحف من مكانه ؟ ! من ذا ذاق جرعة من الآداب ولا يرقّ قلبه أو يذوب إذا أصغى لقول ( العامري ) « 3 » :
هامش
( 1 ) هذان البيتان الجميلان لقيس بن الملوّح ( مجنون ليلى ) ، لاحظ ديوانه 77 . وورد : ( ودّعت ) بدل : ( أعرضت ) ، و : ( ماء ) بدل : ( دمع ) .
( 2 ) ديوان البحتري 1 : 283 - 284 . ولكن ورد : ( تعلّق ) بدل : ( تحيّر ) .
( 3 ) قيس بن الملوّح بن مزاحم بن قيس بن عدي بن ربيعة العامري . وقيل في اسمه ونسبه غير ذلك ، من أشهر الشعراء العذريين . كان ظريفاً جميلًا راوية للشعر حلو الحديث . علق ليلى بنت مهدي العامرية منذ زمان طفولته ، وحبّها حبّاً ذهب بعقله ، ويقال : إنّ قوم ليلى شكوا المجنون إلى السلطان ، فأهدر دمه ، ورحل قومها بها ، فجاء وبقي يتمرّغ بتراب رحلها ، وقيّده أبوه ، فقام يضرب نفسه ، فأطلقه ، فهام على وجهه في الفلاة بنجد وساح حتّى حدود الشام ، ووجد ميّتاً ، فاحتملوه إلى الحي ودفنوه ، وكثر بكاء النساء والشباب عليه ، وكان في دولة يزيد وابن الزبير . وقد أنكر بعضهم قصّته ، وللذهبي كلام لطيف في ردّ ذلك .
( الأغاني 2 : 5 - 79 ، سمط اللآلي 350 ، سير أعلام النبلاء 4 : 5 - 7 ، خزانة الأدب 4 : 215 - 218 ، شذرات الذهب 1 : 277 - 278 ) .